الاخيره.من وعد الامانه لمشيره محمد
الجزء الاخير.
رجعنا بيتنا الصغير، وكان السكوت اللي مالي الحيطان مختلف المرة دي؛ مكنش سكوت الوحدة ولا الخوف من بكرة، كان سكوت المفاجأة اللي لسه مأثرة فيا ومش قادرة أستوعبها. أخدت "حنين" الصغيرة وحطيتها على سرير ياسين، كانت ملاك نايم ميعرفش إنه شقلب القاعة، وشقلب حياتي كلها معاه.
وقفت في نص الصالة، وعيني على ياسين وهو بيقلع روب التخرج براحة، وعينيه فيها ميكس غريب من الراحة والخوف. التفت ليا، وشاف في عيني النظرة اللي بتطالبه بالتفسير؛ النظرة اللي أجلتها طول الحفلة عشان دموعه وثباته على المسرح. اتنفست بالعافية، وقولت بصوت بيترعش:
— "ياسين... أنت وقفت قدام الدنيا كلها وشيلت بنتك وفاجئتني وفاجئت الناس. أنا فخورة بيك كراجل مهربش.. بس أنا أمك يا بني. من حقي أفهم. البنت دي جت إزاي؟ إيه الحكاية اللي مخبيها عني؟ هل غلطت يا ياسين؟ هل مشيت في السكة اللي ضيعتني زمان؟ وفين أم الطفلة دي؟"
ياسين وطى رأسه كام ثانية، وبعدين قرب مني ومسك إيدي، وباس دماغي بحنان وقال:
— "اقعدي يا أمي، ارتاحي.. أنا مستحيل أكسر ضهرك، ولا يمكن أكون النسخة التانية من الراجل اللي سابك. اسمعيني، عشان الحقيقة فيها وجع، بس مفيهاش عار."
قعدنا، وبدأ ياسين يحكي والدموع مآثرة في صوته:
الحكاية من البداية: زواج في السر أم غلطة؟
قال ياسين وهو بيضغط على إيدي:
— "يا أمي، الموضوع بدأ من سنة ونص، في أول سنة تانية جامعة. فاكرة 'مريم' زميلتي اللي حكيت لك عنها زمان إنها أشطر واحدة في الدفعة؟ مريم مكنتش مجرد زميلة، مريم كانت البنت اللي خطفت قلبي، وكانت شبهك في كل حاجة؛ طيبة، وعفيفة، وشايلة هموم أكبر من سنها لأن والدها راجل قاسي ومفتري، وكان بيعاملها هي وأمها بظلم ميتوصفش."
وكمل وياسين:
— "حبنا كبر، ولما حسيت إني مش قادر أعيش من غيرها، وإني عايز أحميها من جحيم أبوها، قررت أتقدم لها. روحت لأبوها رسمي، وكنت فاكر إنه هيرحب بشاب دغري وبيحب بنته. لكنه طردني وأهانني، وعايرني بأني معنديش أب، وقالي 'بنتي متتجوزش واحد أمه ربيته لوحدها وشغالة في البيوت والمصانع'. الكلام وجعني، بس وجع مريم كان أكبر؛ أبوها قرر يحرمها من التعليم ويجوزها لراجل قد أبوها لمجرد إنه غني."
سكت لحظة يلم أنفاسه، وبعدين كمل:
— "مريم كلمتني وهي بتموت من الرعب، وقالت لي إنها هتموت نفسها لو الجوازة دي تمت. هنا أنا فكرت بعقل الراجل اللي ربتيه. مكنش قدامي غير إني أحميها. روحت للمأذون، وبشهادة اتنين من أصحابي الجدعان في الجامعة، اتجوزنا رسمي وعلى سنة الله ورسوله، بس في السر. مكنش ينفع أقول لك يا أمي لأني عارف إنك كنتِ هتخافي عليا وتطلبِ مني أركز في مستقبلي، ومكنتش عايز أشيلك هم فوق همومك، وأبوها لو عرف كان هيقتلها."
سألته ودموعي نازلة:
— "يعني دي مش غلطة يا ياسين؟ حنين دي بنت حلال وفي النور؟"
رد بامتنان وفخر:
— "قسيمة الجواز الرسمية معايا هنا في المحفظة يا أمي. حنين بنت حلال، ومريم مراتي قدام ربنا والقانون. الحمل مكنش غلطة، كان ثمرة جوازنا الشرعي اللي اضطرينا نخبيه لحد ما أتخرج وأقف على رجلي وأقدر أواجه الدنيا."
أين أم الطفلة؟ (مأساة مريم)
سألته بلهفة والخوف بياكلني:
— "طب وفين مريم يا بني؟ فين أم البنت؟ وليه سبتك تجيب البيبي لوحدك؟"
ملامح ياسين اتقلبت حزن يقطع القلب، وقال::#روايات_مشيره_محمد
— "مريم في المستشفى يا أمي... بين الحياة والموت. وده السبب اللي خلاني تايه ومنهار بقالي أسبوعين."
وبدأ يشرح الكارثة اللي حصلت لهم:
— "مريم كانت بتداري حملها عن أبوها بلبس واسع وطويل، ولأن جسمها ضعيف محدش لاحظ. لكن قبل أسبوعين، وهي في الشهر التاسع، أبوها عرف بالصدفة؛ شاف رسالة على موبايلها بتجمعني بيها. ثار زي المجنون، وضربها ضرب مبرح ومن غير رحمة، ضرب تسبب لها في نزيف حاد وهبوط في الدورة الدموية."
صوت شهقتي طلع من الرعب، وحطيت إيدي على بوقي، فكمل ياسين وعيونه بتعيط:
— "الضرب عجل بالولادة. نقلتها والدتها للمستشفى وهي في حالة خطيرة جدًا. الدكاترة اضطروا يعملوا عملية قيصرية سريعة لإنقاذ الجنين. حنين اتولدت بخير والحمد لله، لكن مريم... مريم دخلت في غيبوبة كاملة بسبب نزيف في المخ وكسور من ضرب أبوها. أبوها لما عرف بجوازنا الشرعي وبوجود الطفلة، هرب وخاف من السجن، وأم مريم قاعدة جنب بنتها في العناية المركزة بتبكي ومش بإيدها حاجة."
مسح ياسين دموعه وكمل:
— "المستشفى طلبت خروج الطفلة لأنها بقت كويسة ومفيش خطر عليها، وجدتها مكنتش قادرة تسيب مريم في العناية، ومكنش ينفع البنت تروح لبيت أبو مريم. مكنش فيه حل غير إني أستلم بنتي بنفسي. شلتها في حضني وأنا قلبي مكسور على مراتي اللي بتموت، ومش عارف أعمل إيه. وقبل التخرج بتلات أيام، جيت لك وقولتلك اسمعيني.. وكنت مرعوب ترفضيني أو ترفضي بنتي."
بداية الفجر الجديد
بصيت لياسين، وكل ظنون الخوف والشيطان اللي هاجمتني الأيام اللي فاتت تاهت وتبخرت. قمت من مكاني، وبكينا مع بعض؛ بكينا على مريم، وعلى الأيام القاسية، وعلى الرجولة اللي نبتت في عود ابني رغم كل الظروف.
قولت له وأنا بطبطب عليه:
— "يا بني.. أنت راجل، طالع لأمك بجد في صونها للعرض والأصل، ومش طالع للندل اللي سابنا. مريم دي بنتي من النهاردة، وحنين دي روحي. بكره من النجمة هناخد حنين ونروح المستشفى لمريم. ربنا مش هيضيع ضعفها ولا حمايتك ليها."
مرت الأيام، وتوليت رعاية "حنين" الصغيرة بكل ما فيا من غريزة الأمومة. وياسين متعبش؛ استلم وظيفته كمهندس برمجيات في شركة محترمة بمرتب كويس بفضل تفوقه، وكان بيقسم وقته بين الشغل، والمستشفى عند مراته، وبين بيتنا عشان يبوس رجلي وايدي ويداعب بنته.
بعد شهرين من الصلاة والدعاء والدموع، حصلت المعجزة. أفاقت مريم من غيبوبتها. ولما فتحت عينيها، ملقتش أبوها الطاغية، لقتني أنا وياسين واقفين جنب سريرها، وشيلت لها "حنين" الصغيرة وحطيتها على صدرها. بكت مريم وهي بتبص لي وتقول بصوت بالعافية طالع: "شكرًا يا أمي.. شكرًا إنك ربيتي الراجل اللي حماني."
انتهت قصة الخوف، وبدأت قصتنا الجديدة في بيت أوسع، يضمنا كلنا. وأدركت في النهاية إن كل نقطة عرق نزلت مني في تمنتاشر سنة، وكل ليلة نمت فيها جعانة، كانت ثمن عادل لنبتة صالحة اسمها "ياسين".. الرجل اللي مهربش، ومخانش، وصنع من الضعف قوة شهدت لها الدنيا كلها.
*حصري / روايات مشيرة محمد *