بعد الدقيقة ال90..مشيرة محمد
حصري/ روايات مشيرة محمد
كان السكوت بيصرخ، سكوت غريب مغرق الستاد كله. آلاف الناس، اللي كانوا قبل دقايق بس بيهتفوا ويهزوا المدرجات، واقفين دلوقتي كأن على رؤوسهم الطير. عيونهم مسبتة على المستطيل الأخضر، على المشهد اللي مكنش حد فيهم يتخيله ولا حتى في كوابيسه. ووسط كل ده، كان واقف "سيف" ..سيف مكنش بس بيلعب، كان بيقاتل. دي بطولة "كأس النخبة" لكرة القدم للهواة، البطولة اللي ضحى سيف بكل حاجة عشانها. سهر، تدريب في عز الحر وعز البرد، إصابات متحملها، وتجاهل لنصايح الدكاترة بإن ركبته محتاجة راحة " راحتي لما اجيب الكاس لبلدي"، كان ده رده الدائم. سيف كان العمود الفقري لفريق "أحلام المدينة"، الفريق الغلبان اللي وصل للنهائي بمعجزة وتعب رجالة. كان هو العقل المدبر، اللي بيوزع الكور، وبيمتص هجوم المنافس، وبيصنع الأهداف من العدم. في الماتش ده، نهائي البطولة قدام فريق "النجوم السوبر" (الفريق الغني، اللي عنده كل الإمكانيات والواسطة)، سيف قدم أداء عمره. صنع هدف التقدم لزميله "مازن" في الشوط الأول، وبقت النتيجة 1-0 لـ "أحلام المدينة". كان الماتش ماشي كويس، وسيف متحكم في الإيقاع، وبيخترق دفاع النجوم بسهولة. كان حلم عمره، كاس البطولة، بيقرب خطوة بخطوة لكن الرياح مبتجيش دايمًا زي ما بتشتهي السفن. في الشوط التاني، بدأت الحاجات الغريبة تحصل. قرارات الحكم بقت كلها ضدهم. فاولات لـ "النجوم" ملهاش أي أساس، تسللات وهمية على "أحلام المدينة"، وإنذارات صفراء بالجملة للاعبين. سيف حاول يتكلم، يحاول يهدي زمايله، لكن الحكم كان مقفول من ناحيتهم. كان واضح إن في حاجة غلط، حاجة بتترتب في الكواليس. وفعلاً، القنبلة انفجرت في الدقيقة 92. هجمة مرتدة لـ "النجوم"، "يوسف" مهاجم "أحلام المدينة" بيضغط على المدافع عشان يقطع الكورة. المدافع بيقع من غير أي تلامس يذكر، والحكم -اللي كان بعيد تمامًا- بيطلق صافرته وضربة جزاء! سيف مكنش مصدق، جرى على الحكم هو وكل زمايله، بيحتجوا، بيصرخوا، لكن الحكم كان جبل تليج. "ضربة جزاء!" كررها ببرود، وأعطى سيف إنذار للاعتراض. سيف كان حاسس إن روحه بتتسحب منه. العرق المزوج بالدموع على وشه كان بيحكي حكاية قهر ملهوش أول من آخر. هو عارف، وكل اللي في الستاد عارف، إن دي مش ضربة جزاء. دي مسرحية رخيصة، بطلها حكم قبض التمن. وتقدم مهاجم النجوم، وسجل الجول. 1-1. وبعديها بدقيقتين، في الوقت بدل الضائع الطويل اللي الحكم أضافه من عنده، سجلوا الجول التاني، 2-1، من اوفسايد واضح وضوح الشمس الحكم عداه. وصفر الحكم. خسر سيف الماتش. خسر الحلم. خسر الكاس. ووقف، وهو باصص للسما، الدموع بتنزل بحرقة على وشه الغرقان عرق، وإيده بترتعش. كان الظلم أكبر من إنه يتحمل، والقهر أعمق من أي كلمة.
حصري/ روايات مشيرة محمد
مازن: (بدهشة وصدمة) تعتزل؟ سيف، أنت بتهزر؟ أنت الفريق... أنت اللي وصلتنا لغاية هنا يابني مستحيل.
سيف: (بعصبية خفيفة) وصلتلكم لإيه؟ لضربة جزاء وهمية وجول من اوفسايد؟ مازن، أنا تعبت. مش عايز أتظلم تاني.
يوسف: (قعد جنبه وحط إيده على كتفه) سيف، بصلي.. إحنا عارفين الظلم، وشوفناه وعيشناه معاك بس تفتكر لو اعتزلت، كده أنت غلبتهم؟ لأ، كده أنت ريحتهم. كده أنت أكدت ليهم إن الغش بينجح، وإن الظلم هو اللي بيكسب في الآخر. أنت سيف، اللي مكنش في حاجة بتقف قدامه في الملعب. إحنا مش محتاجينك عشان المهارة بس، إحنا محتاجينك عشان روحك، عشان إصرارك. لو اعتزلت، الروح دي هتموت معانا كلنا.
كلام زمايله كان بيكمل كلام باباه. سيف سكت لفترة، وكان جواه صراع كبير. بين رغبته في إنه يبعد ويحمي نفسه من الظلم، وبين روحه القتالية اللي مكنتش بتقبل الهزيمة.
سيف: (رفع راسه وبص ليهم بعيون فيها لمعة تحدي) تفتكروا هنقدر عليهم ...
مازن: (بثقة) أنا متأكد! أنت مش بس بطل يا سيف، أنت مثال لينا كلنا.
سيف اتنفس بعمق، وكأن بيشحن روحه من جديد. الألم لسه موجود، والظلم لسه محفور في ذاكرته، بس دلوقتي في حاجة تانية جواه: رغبة قوية في إنه يثبت للعالم، ولنفسه، إن الحق مبيموتش، وإن الإرادة أقوى من أي غش.
سيف: (وقف وبص لزمايله بابتسامة حقيقية) خلاص.. أنا معاكم. البطولة اللي جاية، إحنا مش بس هنشارك.. إحنا هنكسبها، وبالحق. وهنوريهم هما والحكم الخاين ان احنا فريق مبيتكسرش.
وبدأت رحلة جديدة. رحلة أصعب بكثير من اللي فاتت. سيف رجع للتدريب، بس بقلب وروح تانية. التدريبات بقت أقسى، والإصرار بقى أكبر. كان بيتمرن لغاية ما يقع من التعب، وكل مرة كان بيتخيل الاستاد الفاضي والدموع اللي على وشه، كان بيقوم تاني ويكمل. كان بيقود الفريق بمهارة وحكمة، وكان بيشجع زمايله في كل لحظة.
وفي "كأس الأبطال الإقليمي"، قدم فريق "أحلام المدينة" أداء تاريخي. سيف كان في قمة مستواه، سجل أهداف حاسمة، وصنع أهداف تانية بلمسات سحرية. وصلوا للنهائي تاني، وقدام مين؟ قدام نفس فريق "النجوم السوبر" (المرادي من غير الحكم الخاين اللي خرج من التحكيم بسبب انقلاب الرأي العام وتأكيد خبر رشوته).
الماتش كان صعب، والتوتر كان عالي. بس سيف مكنش هادي، كان نار قايدة. قبل الماتش بقليل، جمع سيف زمايله في حلقة وسط الملعب.
سيف: (بصوت قوي ومؤثر) يا رجالة.. إحنا هنا النهاردة عشان حاجة واحدة بس عشان نثبت الحق. إحنا اتظلمنا، واتقهرنا، واتسرقت أحلامنا. بس إحنا ممتناش. النهاردة، إحنا مش بس بنلعب كورة، إحنا بنحارب من أجل كرامتنا، من أجل كل واحد شجعنا، من أجل كل واحد اتظلم زينا. ألعبوا بضمير، ألعبوا بقلب، ألعبوا عشان مصر، ألعبوا عشان شعبكم اللي واقف في المدرجات وبيشجعكم. المرة دي، الكاس مش هيتسرق.
ونزلوا الملعب. الماتش كان ملحمة، بس في الدقيقة 70، سيف خد الكورة من نص الملعب، وراوغ لاعب واتنين وتلاتة، وشاط كورة صاروخية سكنت الشباك. الجول الأول! الاستاد اتهز. وبعدين في الدقيقة 85، سيف صنع الجول الثاني ليوسف. 2-0.
وصفر الحكم. فاز "أحلام المدينة" بالكاس الكاس الحقيقي.
سيف مكنش بيعيط الدموع الحزينة دي المرة دي. كان بيضحك من قلبه، وهو بيترفع على أكتاف زمايله. باباه، عم حسين، جرى عليه وحضنه بحرقة.
عم حسين: (بدموع الفرح) شفت يا سيف؟ الحق مكنش بيموت. أنت بطل يا ابني.
سيف: (وهو بيبوس إيد باباه) أنت البطل يا بابا.
وفي الليلة دي، الاستاد كان منور، والأغاني مكنتش بتخلص. سيف، البطل الحقيقي، وقف وسط الملعب وهو ماسك الكاس بإيده الاثنين، وباصص للسما تاني وبيشكر ربه بس المرة دي الضحكة مكنتش بتفارق وشه. الظلم كان موجود، والخيانة كانت موجودة، بس الإرادة، والإصرار، والحق، كانوا أقوى. وسيف، الشاب المصري الغلبان، أثبت للعالم إن النجاح بيجي بالتعب وبالضمير، مش بالغش والواسطة. ودي كانت أعظم بطولة في حياته.
تمت. روايات مشيرة محمد