امى قضت

لمحة نيوز

أمي قضت ثماني سنوات تبكي عند قبر أخي في أم درمان، حتى رأيته بعيني يعمل في دكان صغير في بحري… ولما ناديت اسمه قال لي: لا تخبر أبي أنك وجدتني.
في السودان  كان اسمي عادل، وكنت أعيش مع أمي وأبي في أم درمان، داخل بيت ظلّت فيه صورة أخي مصعب معلقة على الحائط كأنها عين تراقبنا منذ ثماني سنوات.
قالوا لنا يومها إن مصعب رحل في حادث قاسٍ على طريق مدني السريع، وإن السيارة اشتعلت بالكامل، وإنهم تعرفوا عليه من ساعة يده وسلسلة كان يرتديها وبعض الأوراق التي وجدوها داخل السيارة.
أمي انهارت يوم الخبر، كأن روحها خرجت معه، أما أبي بكى قليلًا ثم تحرك بسرعة غريبة، أنهى الإجراءات، عجّل بالدفن، ورفض أن ترى أمي وجهه للمرة الأخيرة.
كان يقول لها دائمًا: الأفضل أن تتذكريه كما كان، وكانت الجملة تبدو رحيمة في ظاهرها، لكنها كانت تترك داخلي خوفًا لا أقدر على تفسيره.
مرت السنوات، وأمي تذهب إلى المقبرة كل شهر، تحمل الزهور وتجلس أمام القبر ساعات، تكلمه كأنها تنتظر أن يرد عليها من تحت التراب.
أما أبي فلم يذهب مرة واحدة، وكان يردد ببرود: ذهابي لن يغير شيئًا، وكل مرة يقولها كنت أشعر أنه لا يتجنب الحزن… بل يتجنب شيئًا آخر.
في مساء الأمس، خرجت من عملي متأخرًا، فأعطاني المدير طردًا صغيرًا وطلب مني أن أوصله إلى صاحب دكان في بحري قبل أن أغادر.
لم أكن أريد الذهاب، فالطريق طويل والليل بدأ ينزل، لكن شيئًا دفعني للموافقة، وكأن القدر كان يفتح لي بابًا ظل مغلقًا ثماني سنوات.
وصلت إلى شارع جانبي هادئ، ودخلت دكانًا صغيرًا بالكاد يراه أحد، كان مزدحمًا قليلًا، مروحة قديمة تدور ببطء، ورائحة الشاي والسكر والغبار تملأ المكان.
وقفت في الطابور والطرد في يدي، أنظر إلى هاتفي دون اهتمام، حتى سمعت صوتًا من خلف الصندوق قال لأحد الزبائن: تريد كيس؟
تجمد جسدي بالكامل، لم يكن الصوت عاليًا، لكنه كان صوتًا أعرفه قبل أن أعرف نفسي، صوت أخي مصعب الذي دفناه ولم ندفن وجعه في قلوبنا.
رفعت رأسي ببطء، فرأيته واقفًا خلف الطاولة، أنحف، أكثر سمرة، وعلى ذقنه ندبة صغيرة، لكنه كان هو، أخي الكبير الذي بكته أمي حتى ذبلت عيناها.
كان يمسك بفكه كما كان يفعل دائمًا عندما يتوتر، وحين رفع عينيه نحوي تغير وجهه في لحظة، صار شاحبًا وخائفًا كأنه رأى ماضيًا يطارده.
تقدمت وأنا لا أشعر بقدمي، وضعت الطرد أمامه، وقلت بصوت خرج مكسورًا: مصعب.
لم ينكر، لم يتظاهر، لم يسألني من أكون، فقط ابتلع ريقه وقال بصوت منخفض: لا تعمل مشهدًا هنا.
قلت له والدموع تخنقني: نحن دفناك يا مصعب، أمي دفنت عمرها معك.
أغمض عينيه لحظة كأن الجملة طعنته، ثم انحنى نحوي وهمس: لا تخبر أبي أنك وجدتني.
شعرت ببرودة تسري في عروقي، وسألته: ماذا تقول؟ أبي؟ لماذا أبي؟
قال وهو ينظر حوله بخوف: أخبر أمي إن استطعت، لكن لا تخبره هو، ليس قبل أن تسمعني.
كنت أريد أن أصرخ، أن آخذه من يده وأركض به إلى أمي، أن أجبر الدنيا كلها تعترف أنها خدعتنا، لكنه أعطاني الباقي كأننا غريبان.
قبل أن أغادر، وضع ورقة صغيرة مطوية داخل الإيصال، وقال بصوت بالكاد سمعته: تأكد أن لا أحد يتبعك.
خرجت من الدكان وأنا أرتجف، جلست في السيارة وأغلقت الأبواب، ثم فتحت الورقة بيدين لا تثبتان.
كان مكتوبًا فيها عنوان في حي الديوم الشرقية، شارع سبعة عشر، منزل رقم اثني عشر، الساعة الحادية عشرة والنصف مساءً.
وفي أسفل الورقة كتب جملة واحدة جعلت صدري يضيق: إذا عرف أبي قبل أن تسمعني… ستكون أمي في خطر.
عدت إلى البيت، فوجدت أمي جالسة أمام صورة مصعب كعادتها، وأبي في الصالة يقرأ الجريدة ببرود، لكن عينه كانت تراقبني من فوق النظارة.
سألني: تأخرت ليه يا عادل؟
قلت إن الطريق كان مزدحمًا، لكنه ظل ينظر إليّ طويلًا كأنه يشك أن شيئًا حدث، ثم قال: بحري بقت تخوف الأيام دي، خليك بعيد عن الناس الغريبة.
عندها عرفت أن أبي ربما يعرف أكثر مما كنا نظن، وأن ظهور مصعب في بحري لم يكن صدفة، بل خيط أول في حكاية دُفنت بدلًا منه.
وفي الحادية عشرة والنصف، ذهبت إلى العنوان وحدي، فوجدت مصعب ينتظرني في غرفة صغيرة، وما إن فتح الباب حتى قال: الحادث لم يكن حادثًا… وأبوك هو الذي سلّمني للرجل الذي أرادني أختفي.
وقبل أن أسأله من الرجل، أخرج مصعب من تحت السرير ساعة أبي القديمة وسلسلة تشبه التي قيل إنهم تعرفوا عليه بها، وقال: هذه الأشياء لم تكن في السيارة يومها… أبي هو من وضعها بعد أن ظن أنني لن أعود.
 

تم نسخ الرابط