فندق الفلاح
اتطرد فلاح لابس شبشب دايب من فندق خمس نجوم على إيد موظفة الاستقبال… وبعد خمس دقايق بس، الهدوء ساد المكان كله أول ما عمل مكالمة تليفون.
في وقت متاخر بعد الظهر، دخل راجل عنده حوالي خمسين سنة للريسبشن المنور بتاع فندق فاخر خمس نجوم في وسط مدينة شيكاغو. وشّه كان أسمر ومقشف من شمس وسنين شقا وتعب.
كان لابس قميص بني باهت ومتوسخ شوية، ولابس في رجله شبشب قديم متهالك وخلاص بيفك. ومن أول نظرة، كان باين لأي حد إنه فلاح جاي من مكان بعيد خالص عن دنيا العز والفخفخة دي.
قرب ببطء من مكتب الاستقبال، وقال بصوت بسيط وهادي:
«يا ستي، عايز أحجز أوضة للنهاردة.»
بصلته موظفة الاستقبال — وهي بنت شيك وأنيقة في لبسها ومكياجها — من فوق لتحت بنظرة تقييم، وحواجبها اتعقدت. أصل في نظرها الفندق الشيك ده بتاع رجال الأعمال والأغنية، مش لواحد شكله فلاح.
وبردّ بارد قالتله:
«يا أفندم، الأوض عندنا غالية أوي. ممكن تلاقي حاجة تليق بيك أكتر في لوكانتة رخيصة برة المدينة.»
ابتسم الراجل بأدب وقال بالراحة:
«فاهم يا ستي، بس أنا فعلاً عايز أقعد هنا. أي أوضة هتسد وتفي بالغرض.»
تضايقها زاد وقالت بحدة:
«اسمعني كويس يا حضرة. المكان ده للضيوف العالية ورجال الأعمال بس. اتفضل دورلك على مكان تاني.»
ناس من الموجودين في الصالة بدأوا يلتفتوا ويبصوا. فيه اللي صعب عليه الراجل، وفيه اللي تريق بينه وبين نفسه وقال:
«معقولة؟ فلاح عايز ينزل في فندق زي ده؟»
الراجل سكت لحظة ومطأطئ راسه. الجو اتوتر أكتر، والموظفة سابت كأنه مش موجود أصلاً.
حارس الأمن الكبيرة في السن كان واقف بيراقب الموضوع من بعيد، وكان حاسس بالحرج بس ماقدرش يتدخل. بس بينه وبين نفسه، كان حاسس إن الراجل ده مش بتاع مشاكل خالص، بالعكس، كان فيه هيبة وهدوء يخلوك تحترمه.
وفي اللحظة اللي الموظفة كانت خلاص رايحة تسيبه وتمشي، حط الراجل إيده ببطء في جيبه، وطلع تليفون جديد بيلمع. وبكل هدوء وثقة، عمل مكالمة وقال:
«ألو… أنا واقف دلوقتي في صالة الفندق بتاعكم… ومش راضيين يحجزولي أوضة، بيقولوا المكان هنا مش بتاعي. تعالالي يا دانيال دلوقتي.»
الموظفة بصتله بابتسامة ساخرة، وكملت ترتيب الورق على المكتب من غير ما ترفع عينها فيه تاني، وهزت رأسها بقلة صبر وقالت:
«لو سمحت يا حضرة، ما تضيعش وقتنا وتعمل شو. لو ما مشيتش بكل أدب، هضطر أخلي الأمن يخرجك برة الفندق خالص.»
الراجل ما ردش عليها، ولا حرك ساكن، وقف على جنب بصلابة وهدوء غريب، مسك تلفونه وفتحه وبدأ يقلب فيه بالراحة وكأن المكان كله ملكه.
ما عدتش خمس دقايق بالظبط، وفجأة المصعد الخاص بإدارة الفندق اتفتح بصوت ناعم، وخرج منه راجل في الأربعينات، لابس بدلة تفصيل سوداء زي النسر، وطالع يجري ووشه خايف ومشدود. ده كان دانيال، المدير العام للسلسلة كلها في الولاية!
المدير كان بيبص حوليه بلهفة وجنون، ولما وقعت عينه على الراجل البسيط صاحب القميص البني والشبشب، عينه وسعت من الصدمة، وجري عليه بخطوات سريعة جداً وهو بيمسح العرق من على جبينه.
وقف قدامه، وانحنى بجسمه كله باحترام شديد وتواضع جم وقال بصوت مسموع للكل:
«مستر آرثر! أهلاً بحضرتك يا فندم! ألف أهلاً بك في فندقك! أنا مش مصدق إنك وصلت بالسرعة دي ومحدش بلغني!»
الموظفة اتسمرت مكانها، القلم وقع من إيدها على الرخام وصوته يرن في البهو كله. النظرات الساخرة من الزباين تحولت لذهول وصمت تام.
التفت الراجل البسيط — مستر آرثر — للمدير وقال بصوت هادي ومفيهوش أي غضب:
«أهلاً يا دانيال. كنت معدي بالصدفة قلت أقضي الليلة هنا، بس الأنسة بتقولي إن المكان ده للضيوف العالية ورجال الأعمال بس، وإن الشبشب والقميص بتوعي ما ينفعوش هنا.»
المدير دانيال وشه جاب ألوان، وتحول لونه للابيض من كثر الرعب، والتفت للموظفة بنظرة نارية وقاتلة، وقال بصوت يرعب:
«إنتي عارفة إنتي بتكلمي مين؟! ده مستر آرثر… المالك الرئيسي لمجموعة الفنادق دي كلها، وللأرض اللي مبني عليها الفندق ده بالكامل! ده صاحب الشركة القابضة اللي بتدفع مرتبك ومرتب الإدارة كلها!»
الموظفة ركبتها خبطت في بعضها، وشها بقى شاحب زي الموتى، وما قدرتش تتكلم ولا كلمة، لسانها اتعقد تماماً.
آرثر بص للمدير بالراحة وقال:
«أنا بقضي ست شهور في السنة في المزرعة بعرق وبشتغل بإيدي، وبحب البس اللبس اللي يريحني لما أسافر، عشان يذكرني دايماً أنا بدأت منين. المظاهر عمرها ما كانت تقييم للبني أدمين يا دانيال.»
كمل آرثر كلامه وهو بيبص للموظفة اللي كانت بتبكي من الخوف والشرمسار:
«المشكلة مش إنك رفضتي تحجزيلتي… المشكلة إنك قللتي من إنسان عشان شكله. الفندق ده اتأسس عشان يقدم خدمة واحترام للجميع، مش عشان يمارس التكبر.»
المدير دانيال قال فوراً:
«أنا بعتذر لحضرتك نيابة عن كل الشغل هنا يا فندم! قرار رفصلها جاهز فوراً وممكن أطلب الأمن يخرجها حالا!»
بس آرثر حط إيده على كتف المدير وقال بهدوء ونبل:
«لا يا دانيال… الرفض مش هيعلمها حاجة. سيبها في شغلها، بس هتتخصملها شهر، والشهر ده هيروح للعمج حارس الأمن الواقف هناك ده، عشان هو الوحيد اللي بصلي بنظرة فيها إنسانية واحترام.»
التفت آرثر لحارس الأمن المسن وابتسملة، والحارس رفع راسه بفخر وامتنان.
وبص آرثر للموظفة وقالها:
«أتمنى تكوني تعلمتي الدرس.. الناس أفعال ومعدن، مش هدوم وشبشب.»
ومشي المزارع المليونير بخطوات هادية وثابتة في بهو الفندق وهو مرفوع الراس، وساب المكان كله في حالة ذهول وتفكير عميق في معنى الإنسانية الحقيقية.