كابوس الغريب.. مشيره محمد

لمحة نيوز

روايات_مشيره_محمد

وقفت في نص الصالة، والموبايل في إيدي بيترعش لدرجة إنه كان هيقع مني. الشقة اللي كنت بشوفها الأمان والسكينة، تحولت في ثانية لدخمة كوابيس تتنفس معايا في نفس المكان. السكوت كان قاتل، وصوت تكتكة الساعات في الصالة بقى ينبض في دماغي زي طبول الحرب.

​47 مرة! 47 مرة في 8 شهور، في كائن غريب كان بيدخل شقتي، وأنا نايمة في سابع نومة، وجوزي... أو الشخص اللي فاكراه جوزي... نايم جنبي!

​صرخت بصوت مكتوم وحطيت إيدي على بقي. ركبي خارت وما قدرتش أقف، قعدت على أرضية الصالة الباردة وأنا ببص حواليا في الرعب. الصور اللي متعلقة على الحيطة.. صور فرحنا، رحلاتنا للغردقة، أعياد ميلادنا.. كلها بقت محل شك. الراجل اللي في الصور ده.. هو مين فيهم؟ اللي مات على طريق المقطم ومحروق في المشرحة؟ ولا اللي نزل من ساعة لابس بدلة وأخد مفاتيح العربية وخرج يمارس حياته الطبيعية بكل برود؟

​لازم أتحرك. الخوف هيقتلني لو فضلت قاعدة.

​قمت وقفت بجهد، ومسحت دموعي. دخلت أوضة النوم، وبدأت أدور في حاجته. فتحت الدولاب، الدرج المقفول بالرمز اللي كان دايماً بيقولي فيه أوراق الشغل المهمة. جربت تاريخ ميلاده.. غلط. جربت تاريخ جوازنا.. فتح!

​الدرج كان مليان أوراق ملفوفة. سحبتهم بسرعة، وبدأت أفرز. عقود شقق، شهادات ميلاد، وفجأة.. وقعت في إيدي ورقة خلّت الدم يتجمد في عروقي.

​شهادة ميلاد ثانية، بنفس التاريخ، ونفس اسم الأب والأم.. بس باسم مختلف: "سامح".

وجنبها.. ملف طبي قديم من مستشفى في الأقصر، بيحكي عن حالة توأم ملتصق تم فصلهم بنجاح بعد الولادة بـ 6 شهور!

​التوأم! حسام كان عنده أخ توأم!

​مسكت الأوراق وأنا مش مصدقة. حسام عمره ما جابلي سيرة إن عنده أخ! طول عمره بيقولي إن أمه وأبوه اتوفوا في حادثة وهو صغير وكان طفل وحيد ونشأ في دار أيتام في الصعيد! ليه خَبّى عليا وجود أخوه؟ وليه ملف الفصل الطبي ده في دربه؟

​وفجأة.. سمعت صوت تكة الباب الذكي!

"تم فتح الباب باستخدام البصمة رقم 2"

​قلبي سقط في رجلي. بصيت في الموبايل.. البصمة رقم 2 دي بصمة "حسام"!

هو مش نزل للشغل؟ رجع ليه دلوقتي؟!

​خبّيت الأوراق بسرعة تحت المخدة، وقفت مرعوبة في نص الأوضة. صوت خطوات جزمة بتمشي ببطء في الصالة. الخطوات كانت هادية، غير خطوات حسام السريعة المنتظمة.

​خرجت ببطء من الأوضة، ووقفت عند باب المطبخ وأنا ماسكة سكينة المطبخ ورا ضهري بكل قوتي.

​كان واقف في الصالة، ظهره ليا. قلع الجاكت وحطه على الكرسي. لف وشي ليا.. وابتسم.

​"نادية؟ أنتي لسه بلبسك ده؟ مالك واقفة خايفة كده ليه؟"

​بصيت في عينيه.. كانت نفس العينين العسلية، نفس النمش الخفيف اللي على مناخيره، بس كان في حاجة غريبة.. نظرة باردة، خالية من أي مشاعر.

​سألته بصوت مهزوز: "حسام؟ أنت رجعت ليه؟ نسيت حاجة؟"

​قرب مني خطوة، وهو بيسحب نفس عميق: "رجعت عشانك.. حسيت إنك مش مظبوطة الصبح. القلق عليكي موتني.. قولت أجي أطمن عليكي ونقعد نتكلم في موضوع الحادثة الغريب ده."

​"متلقربش مني!" صرخت فيها، وطلعت السكينة من ورا ضهري ووجهتها لوشه.

​وقف مكانه، ورفع إيديه الاتنين في الهواء، وابتسم ابتسامة خبيثة: "يهديكي يرضيكي يا نادية.. السكينة دي ممكن تعورك! أنتي متوترة ليه كده؟"

​"أنت مين؟!" صرخت بانهيار، "أنت مش حسام! حسام بيمسك الحبيبة بإيده اليمين.. أنت فتحت الأسانسير بالشمال! حسام بيحب الثومية مع الطعمية.. حسام مات في الحادثة! أنت مين يا مجرم؟!"روايات_مشيره_محمد

​الابتسامة اختفت من على وش تدريجياً، وحلت محلها نظرة شرسّة وجافة صدمتني. حط إيديه في جيبه، وقعد على الكنب بكل أريحية، وحط رجل على رجل.

​"ذكية.. طول عمرك ذكية يا نادية، بس متأخرة شوية."

​صوته اتغير! بقى أغلظ، وأقل حنية من صوت حسام اللي أعرفه!

​"أنت سامح؟" سألته وأنا إيدي بتهتز بالسكينة.

​ضحك ضحكة عالية، مجنونة، رجت المكان: "الله الله! وصلتي لملف الأقصر بسرعة كدة؟ برافو عليكي! أيوه يا ستي.. أنا سامح. الأخ الظالم اللي اتظلم، الأخ اللي حسام رمى لحمه عشان يستمتع بحياته في القاهرة، ويركب العربيات الملاكي، ويتجوز الهانم بنت الناس الطيبين!"

​"حسام عمره ما عمل كده! أنت بتقول إيه؟!"

​وقف سامح بسرعة، وعينيه احمرت من الغضب: "لا عمل! حسام أخد كل حاجة! لما أهلي اتوفوا، الدار فصلتنا عن بعض، ناس أغنية أخدوه هو وربوه وأكلوه بمعلقة دهب، وأنا اترميت في شوارع الصعيد، أتعلم السرقة والنصب عشان ألاقي لقمة ناكلها! ولما كبرت وجيت أدور عليه، لقيته عايش في عز، مهندس كبير، وعنده شقة في المعادي وعربية أحدث موديل.. وجوزة حلوة زي العسل!"

​دموعي نزلت بغزارة: "طب ليه؟ ليه بتعمل فينا كده؟ والـ 47 مرة اللي دخلت فيهم الشقة.. كنت بتعمل إيه؟!"

​قرب مني ببطء، وأنا برجع لورا لحد ما ظهري خبط في حيطة المطبخ: "الـ 47 مرة دول يا حلوة.. كانوا فترة التدريب! حسام لما عرف بوجودي من سنة، حاول يشتري سكوتي بفلوس.. بس أنا ما كنتش عايز فلوس، أنا كنت عايز حياته! أخدت منه تفاصيل حياتكوا، أكلكم، شربكم، ذكرياتكم، حتى طريقة كلامه معاكي في أوضة النوم! كنت بدخل الشقة بالليل وهو يسربني من الباب الذكي عشان أعرف كل زاوية في البيئة اللي هو عايش فيها! اتعلمت إزاي أكون حسام!"

​"أنت مجنون! أنت مريض نفسي!" صرخت فيه.

تم نسخ الرابط