رحلة مريم

لمحة نيوز

الممرضة اتسمرت مكانها وهي شايفة البنت الصغيره بتبص للدكتور، وإيدها الناعمة بتفرد الخيط المربوط فيه المفتاح. اللحظة كان فيها كمية وجع وسكون رهيب في طرقات الطوارئ، السكون اللي يسبق العاصفة. الدكتور أخد المفتاح بلهفة بس بحذر، كأنه بيستلم أمانة عمره، وبص للبنت في عينها وقالها بنفس متقطع: "أوعدك.. أوعدك هرجعلك بـ أُمك."

​ولف الدكتور ديلو وطلع يجري بكل قوته في الطرقة، صوت جزمته كان بيرن في المستشفى وهو بينادي على طاقم الإسعاف وشرطة النجدة: "يلا يا جماعة! معانا العنوان والمفتاح، البنت جاية من ناحية الشارع المنور اللي بعد الملف الكبير، تحرك فوراً!"

​في الوقت ده، الممرضة -وكان اسمها "هدى"- أخدت البنت في حضنها، وشالتها بالراحة ونزلتها من على العجلة أم ثلاث عجال اللي كانت حاطة عليها إخواتها التوأم. العجلة كانت متغطية ببطانية قديمة ومربوطة بحبل غسيل عشان العيال ما تقعش طول الطريق. هدى دموعها خانتها وهي بتفك الحبل بالراحة وبتشيل التوأم.. طفلين عمرهم ما يتعداش شهرين، محطوطين في كرتونة موز مفروشة بقماش نضيف ومحفوفين بملاية عشان البرد.

​قعدت هدى البنت على كرسي في الاستقبال، وجابتلها كوباية عصير دافية ووشها كله ذهول: "اسمك إيه يا شاطرة؟"

البنت بصت حولين نفسها بخوف وبصت للعصير، وصوتها طلع مخنوق بالدموع: "أنا اسمي مريم.. إنتي هتاخدي إخواتي فين؟ ماما قالتلي لو صحيوا وعيطوا حطي النكاشة دي في بؤهم" (وكانت تقصد البزازة).

​هدى حطت إيدها على شعر مريم وبتطمنها: "يا حبيبتي إخواتك في أمان، الدكتور بيكشف عليهم وبيديهم لبن دافي.. قوليلي يا مريم، إنتي جيتي الطريق ده كله إزاي لوحدك؟ إنتي عارفة إنتي مشيتي قد إيه؟"

​مريم رفعت حواجبها الصغيرة وبصت لإيدها اللي فيها جروح بسيطة من مقود العجلة: "أنا ماكنتش عارفة أعمل إيه.. ماما كانت قاعدة على الكنبة من تلات أيام. أول يوم افتكرتها نايمة عشان تعبانة، قلعت جزمي وقعدت العب بالراحة عشان ما أصحيهابش. بس بليل إخواتي قعدوا يعيطوا جامد وماما ما قامتلهومش. أنا دخلت المطبخ جبت كرسي وطلعت جبت البسكويت واللبن وحطيت نقط لبن في بؤهم بالمعلقة زي ما بشوف ماما بتعمل."

​هدى بتبصلها ومش مصدقة إن طفلة عندها ست سنين تتحمل كل ده، وسألتها بذهول: "وليه ما ناديتيش حد من الجيران يا مريم؟"

​مريم دبت برجلها الصغيرة في الأرض وقالت بعفوية: "ماما قالتلي أوعي تفتحي الباب لأي حد، وقالتلي لو حصل أي حاجة وما عرفتيش تصحيني، خدي المفتاح ده وخدي إخواتك وروحي للبيت الأبيض الكبير اللي فيه أنوار كتير وأناس لابسين أبيض.. هي كانت مورياني المستشفى قبل كده لما كنا بنعمل كشف إخواتي. بس أنا ماكنتش فاكرة الطريق كويس، فمشيت ورا الشوارع اللي فيها نور كبير لحد ما لقيت المستشفى."

​في نفس اللحظة، سيارة الإسعاف كانت بتشق شوارع المدينة بسرعات جنونية، والسرينة بتصرخ في الليل. الدكتور "تامر" كان قاعد جنب ظابط الشرطة اللي بيحاول يربط وصف مريم بالخرائط.

"البنت قالت فيه صندوق بريد أحمر جنب شجرة كبيرة، وبعدها ملف ضيق فيه بيوت قديمة، وبعد كده بيت بباب خشب مكسور من تحت." الظابط كان بيتكلم في اللاسلكي وبيوجه العربيات.

​بعد عشر دقايق من التدوير والبحث في المنطقة الشبه مهجورة على أطراف المدينة، الإسعاف وقفت فجأة قدام بيت صغير قديم. الظابط نزل يجري، والدكتور تامر وراه بالمفتاح.

حط الدكتور المفتاح في الباب.. المفتاح لف بصعوبة وصوت التكة كان زي طلقة الرصاص في هدوء الليل.

​فتحوا الباب ودخلوا.. البيت كان ضلمة وريحة الغاز والخشب القديم ماليين المكان. الدكتور رشح كشافه على الكنبة اللي في الصالة، ولقى الأُم راقدة، غرقانة في وعيها، وشها شاحب أصفر زي الورق، وتنفسها بطيء جداً وكأنه ينقطع في أي لحظة.

​دكتور تامر نزل على ركبه وقاس النبض بسرعة: "النبض ضعيف جداً! غيبوبة سكر حادة مع هبوط حاد في الدورة الدموية! السكر نزل للمستوى الصفر تقريباً.. ارفعوها معايا بسرعة على النقالة! شوية كمان وكانت هتروح فيها!"

​رجالة الإسعاف شالوا الأم بسرعة ونقلوها للعربية، وتامر شغال ركب جهاز المحاليل والجلوكوز في إيدها وهو بيسبق الزمن: "يلا بسرعة على المستشفى! الست دي بين الحياة والموت!"

​رجعت عربية الإسعاف للمستشفى وتيم الطوارئ كله كان مستني على الباب. دخلوا الأم فوراً على غرفة العناية المركزة، وبدأ الدكاترة يحاولوا يرجعوها للحياة.

في الوقت ده، مريم كانت قاعدة في الطرقة، ماسكة كوباية العصير فاضية، وبتبص على الباب اللي دخلت منه أُمها. الممرضة هدى كانت قاعدة جنبها وبتمسح على رأسها، وكل الممرضات والدكاترة في المستشفى كانوا واقفين يتفرجوا على البنت بذهول وشغف، القصة كانت اتسرقت من السرير للسرير وكل الناس في المستشفى بقوا بيتكلموا عن "البطلة الصغيرة".

​فجأة، الباب بتاع العناية اتفتح، وخرج الدكتور تامر وهو بيمسح العرق من على وشه، ولابس سماعته.

مريم أول ما شافته، قامت وقفت بسرعة، وراحت جرت عليه وقبضت في البالطو الأبيض بتاعه بكل قوتها: "عمو الدكتور! ماما صحيت؟ إنت أخدت المفتاح وصحيتها؟"

​الدكتور تامر نزل على ركبه قصاد مريم، وابتسامة دافية اترسمت على وشه رغم التعب، وحط إيده على خدها الصغير: "ماما صحيت يا مريم.. وماما كويسة جداً. هي دلوقتي بتستريح جوه، وعارفة إنتي عملتي إيه عشانها وعشان إخواتك."

​مريم عينيها لمعت بالدموع، وجسمها كله اترعش من الفرحة: "ينفع أخش أشوفها؟ أنا مش هعمل دوشة والله!"

​الدكتور ابتسم وهز رأسه: "ينفع يا ستي، بس بشرط.. تسلمي عليا الأول وتقوليلي إنتي جبتي الشجاعة دي كلها منين؟"

مريم بصت للأرض وقالت بكسوف طفولي: "ماما كانت بتقولي إني أختهم الكبيرة.. والكبير لازم يحمي الصغيرين."

​الدكتور تامر دمع، وبص للممرضة هدى اللي كانت واقفة وراه وبتبكي بالدموع. مسك إيد مريم ودخل بيها جوه غرفة العناية.

الأم كانت قاعدة على السرير، الموصلات والمحاليل في إيدها، بس عينيها كانت مفتوحة ووشها بدأ يرجعله اللون الشاحب الدافي. أول ما الباب اتفتح وعينيها جات على مريم، شفايفها اترعشت وبدأت تنادي بصوت ضعيف ومشروخ: "مريم.. يا قلب ماما.."

​مريم جرت على السرير وترمت في حضن أمها، وقعدت تبكي بحرقة وتكرر: "ماكنتش عارفة أصحيكي يا ماما.. حاولت كتير والله ماكنتيش بتصحي!"

الأم حضنتها بكل القوة اللي فاضلة فيها، وبكائها ملأ الأوضة، وكانت بتبوس رأسها وإيدها: "إنتي أنقذتينا يا مريم.. إنتي بنتي وبطلتي، سامحيني يا حبيبتي.. سامحيني."

​الممرضة هدى جابت التوأم في السرير الصغير ودخلتهم الأوضة، والأم بصت لعيالها والدموع مغرقة وشها، ومش مصدقة إن طفلتها ذات الست سنين، قدرت تبحر وسط الضلمة والبرد، بكرتونة موز وعجلة بتلات عجال، عشان تجيب أمل الحياة لأسرتها كلها.

​القصة دي اتعرفت في المستشفى كلها باسم "رحلة مريم"، ولحد النهاردة، المفتاح الصغير ده متعلق في مكتب مدير المستشفى كرمز للشجاعة والحب اللي ممكن يتولد في قلب طفلة صغيرة لما تستوعب معنى المسؤولية.

روايات_مشيره_محمد

تم نسخ الرابط