سر قديم

لمحة نيوز

"عربيتي اتخبطت؟"

​الولد بلع ريقه بصعوبة، ملامحه كلها رعب: "أنا.. أنا آسف.." الكلمات كانت طالعة منه بالعافية.

​الراجل بدأ يقرب.. خطواته كانت هادية وموزونة وهو ماشي على النجيل، مفيش أي استعجال في حركته، كأنه بيحسب كل خطوة.

​ميل شوية، ووطى جاب الكورة.. فضل يقلبها في إيده ببطء.. الكاميرا قربت "زوم" على الكورة— الكتابة اللي عليها كانت باهتة خالص، ممسوحة ومنتهية من كتر القدم.

​الراجل اتسمر في مكانه.. جسمه كله اتجمد.

​"مش ممكن.. مستحيل.." الكلمات طلعت منه همس، بس كان ليها صدى تقيل أوي في المكان.

​الولد خد خطوة صغيرة

لقدام وقلبه بيدق: "دي كورتي.."

​الراجل بص له بتركيز حاد، كأنه لسه شايفه بجد لأول مرة، ملامحه اتغيرت تماماً: "جبتها منين؟"

​"أمي هي اللي ادتهالي.."

​السكوت رجع ساد المكان تاني، والجو كله اتقلب.. المزيكا بدأت تعلى من تحت، نغمة هادية وفيها غموض وقلق.. قبضة إيد الراجل بدأت تضغط على الكورة بقوة.

​"أمك اسمها إيه؟"

​الولد بص له بعيون صادقة وبراءة، وهو مش فاهم البركان اللي على وشك إنه ينفجر: "قالت لي.. لو حد عرف الكورة دي.." سكت لحظة، والهوا كان بيحرك الزرع حواليهم، وكمل بصوت واطي ومكسور: ".. يبقى هو أبويا الحقيقي."

الرجل

حبس أنفاسه، الكورة اللي في إيده مش مجرد كورة قديمة، دي كانت "رسالة" متسابة من سنين.

​نزل على ركبه عشان يبقى في مستوى طول الولد، عينيه كانت مليانة دموع محبوسة وصوته اتهز وهو بيسأل: "ومامتك.. مامتك فين دلوقتي؟"

​الولد شاور بصباعه الصغير على بيت قديم في آخر الشارع: "هي هناك.. مستنية."

​الرجل قام وقف، ملامحه كانت مزيج بين الصدمة واللهفة. نسي العربية اللي اتخبطت، ونسي كل حاجة، ومشي ورا الولد وهو لسه ماسك الكورة بإيده كأنه ماسك أغلى كنز في حياته.

​وصلوا قدام الباب، الولد خبط ونادى: "يا ماما! في حد سأل على الكورة."

​الباب

اتفتح ببطء، وظهرت واحدة ملامحها تعبانة بس لسه فيها نفس البراءة القديمة. أول ما عينيها جت في عينيه، الزمن وقف.. الكورة وقعت من إيد الرجل على الأرض ودحرجت بين رجليها.

​هي همست باسمه بصوت واطي ومبحوح، وهو مقدرش ينطق، بس نظراته كانت بتقول كل حاجة. الحقيقة اللي كانت مستخبية سنين، ظهرت في لحظة واحدة بسبب خبطة كورة "غلط" في عربية الشخص "الصح".

​الولد بص لهم وهما واقفين ساكتين، وسأل ببراءة: "يعني هو ده يا ماما؟"

​الأم هزت رأسها وهي بتمسح دموعها، والرجل فتح دراعاته للولد وهو بيقول بصوت مخنوق: "أيوة يا حبيبي.. أنا جيت."

النهاية.

.  #روايات #مشيره_محمد

تم نسخ الرابط