لأ.. أرجوك بلاش تحرق اللحاف ده!»..روايــات_مشـيره_مـحمد

لمحة نيوز


​«لأ.. أرجوك بلاش تحرق اللحاف ده!».. صرخت بأعلى صوتي ودموعي نازلة، وأنا شايف أبويا بيمسك لحاف السرير اللي ستي أمينة غزلته وحاكته بإيديها حتة حتة، وبيرميه بقلب جامد في برميل النار الولعانة ورا البيت. أمي كانت بتحاول تمنعه بكل قوتها وهي بتبكي، وفي الليلة دي.. سنين من القهر والإهانة انفجرت كلها دفعة واحدة. أنا هربت ليلتها ومعيش أي حاجة في الدنيا.. حافية وقاطعة النفس، بس بعد سنين طويلة، رجعتله تاني وأنا في إيدي ورقة طرد من البيت.. الورقة اللي كسرته ودمرته العمر كله.
​اسمي بسنت، عندي 17 سنة. وفي اللحظة دي، سما منيا القمح مغطية بدخان أسود وثقيل يخنق. كنت واقفة في حوش البيت ورا، جسمي كله بيرتعش من البرد والتكتكة، ومجبورة أشوف حياتي كلها بتتحول لرماد قدام عينيا.
​أبويا، الحاج مصطفى، زعق بصوت زلزل المكان وغطى على صوت فرقعة الخشب والنار:
«ده جزا اللي يعمل حاجة من ورايا ويلعب بديله!»
​وراح رامي كشكول كمان من كشاكيل الرسومات بتاعتي في البرميل الصاج

المولع. قلبي كان بيدق بسرعة جنونية لدرجة حسيت إنه هيقف. هو عرف إني قدمت في المعهد الفني التجاري وجالي قبول من وراه. في البيت ده.. هو الملك اللي كلمته سيف على رقابنا. شايل بطاقتي وكل أوراقي وقافِل عليها في الخزنة، بياخد مني فلوس الشغل الإضافي اللي بعمله، وبيتحكم حتى في النَفَس اللي بتنفسه. في نفس الوقت اللي أخويا الكبير، طارق، مأنتخ ومفيش وراه حاجة وكل حاجة بتجيله على طبق من فضة لمجرد إنه "الولد".
​لما كان عندي 14 سنة حاولت أبلغ عنه في المجلس القومي للمرأة وحقوق الطفل، بس عشان مكنش فيه علامات ضرب أو زرقان على جسمي، قالوا مش هنقدر نعمل حاجة. ومن يومها، وهو مشوه صورتي قدام قرايبنا كلهم ومطلع عليا إني بنت عاقة وفاشلة، وقطعني عن الدنيا كلها.
​القشة التي قصمت ظهر البعير
​كنت واقفة متبنجة ومش حاسة بحاجة وأنا شايفه لبسي وكتب دراستي بتسيح جوة جهنم دي. بس فجأة.. جسمي كله سقع ودمي هرب من عروقي.
​لقيته بيمد إيده جوة كيس زبالة أسود مطلع منه لحاف قديم
متقفل مربعات ملونة ببعض..
​صرخت وأنا برمي نفسي عليه: «لأ.. أرجوك! بلاش ده.. كله إلا ده!»
​ده الحاجة الوحيدة اللي فاضلالي من ريحة ستي أمينة الله يرحمها. الست الوحيدة اللي كانت بتطبطب عليا وتقولي: "أنتِ مكانك مش السجن ده يا بسنت.. أنتِ ربنا شايلك الأحسن".
​أبويا مصطفى ابتسم بمرارة وقسوة، وعينيه كان باين فيها شرار النار وهو بيقول: «عشان تتعلمي الأدب، وتعرفي مين اللي بيمشي كلامه هنا يا بسنت».
​وراح رامي اللحاف في نص البرميل. ركبي خانتني ووقعت على الأرض، كنت بشرق من كتر الدخان والشهقات ودموعي عامية عيني وأنا شايف القماش بتنهشه النار في ثواني. في اللحظة دي.. حسيت إن روحي اتطفت، وإنهم كسروا جوايا كل حاجة حلوة.
​قرار الهروب الكبير
​بعدها بكام ساعة، البيت كان ساكت تماماً زي المقابر. كنت قاعدة في ضلمة أوضتي لما الباب اتفتح بالراحة وبصوت تزييق واطي. أمي، الحاجة بدرية، دخلت تتسحب، وإيديها كانت بترتعش رعب. مسكت إيدي وضغطت عليها وهي بتبلع ريقها، وحطت
في كفي ظرف مقفول.
​همست بصوت يدوب مسموع وهي هتموت من الخوف: «جوة الظرف ده فيه 3400 جنيه وشهادة ميلادك.. لازم تهربي يا بنتي. دلوقتي حالا.. روحي بيت عمك توفيق في آخر الشارع وهو هيخبيكي».
​بصيت للشباك، ورجعت بصيت لوش أمي اللي غرقان دموع. كنت عارفة إني لو قعدت في البيت ده مش هطلع منه عايشة.. بس لو مشيت، هبقى في الشارع بطولي ومعيش غير الهدوم اللي عليا.
​القرار الصعب: هل أرفض أسيب أمي لوحدها وأقعد أواجه أبويا لآخر مرة؟ ولا أنفد بجلدي؟
​عمري ما تخيلت إني هضطر أهرب من بيتي زي المجرمين في نص الليل. إن أسيب أمي ورايا كان أصعب وأقسى قرار أخدته في حياتي، بس وعدت نفسي إني هرجع.. وهرجع قوية جداً. 

روايــات_مشـيره_مـحمد

​الفصل الثاني: الغربة وبداية الرحلة

​هربت ليلتها في الضلمة، وجريت على بيت عم توفيق وأنا بجيب جاز من الخوف. عم توفيق استقبلني وفتحلي بيته، وبفلوس أمي والقرشين اللي كانوا معايا، حجزت تذكرة قطر وسافرت على القاهرة.. العاصمة الكبيرة

اللي محدش يعرفني فيها.

تم نسخ الرابط