رد الاهانه... روايات مشيره محمد

لمحة نيوز

​"على العشا، أخويا فجأة قال: 'ابنك ملوش مكان هنا، هو مش واحد مننا'. ومراته كملت وقالت: 'يبقى ممكن إنتوا الاتنين تتفضلوا تمشوا'. قمت وقفت بكل هدوء ورديت: 'هنّمشي فعلاً.. وبالمناسبة، هاخد معايا الفيزا كارد بتاعتي'. وشها اتخطف في ثانية وقالت: 'قصدك إيه؟'.. اكتفيت بابتسامة..."

​دي كانت أول مرة بجد أحس فيها قد إيه الكلمة ممكن تكسر قلب طفل، كان وقت العشا في بيت أخويا "أحمد".. الإضاءة كانت هادية ودافية، مخليا كل حاجة تبان ألطف من حقيقتها بكتير.

​"شيماء" مراته كانت مرتبة السفرة على الشعرة، وأحمد كان شغال على الشواية وكأننا في احتفال، مع إن الجو كان باين فيه إننا متجمعين تأدية واجب مش أكتر.

​"ياسين" ابني كان قاعد جنبي ساكت، كتافه مشدودة، وإيديه في حجره. لما كان صغير كان شعلة حركة ومبيطلش كلام، بس مع الوقت اتعلم يفرمل نفسه.. مش بمزاجه، بس لأنه فهم إن مش كل مكان هيرحب بيه على طبيعته.

​وهو عنده 14 سنة، كان بيتحرك بحذر، مش بقلة ثقة بس بحرص. بيختار كلامه بدقة، وبيحاول ميبقاش تقيل على حد. ياسين شاطر جداً ودايماً من الأوائل، من نوعية الأطفال اللي الكل بيمدح فيهم.. لحد ما ييجي

وقت القبول الحقيقي اللي بيبقى أصعب من مجرد كلام.

​السهرة بدأت عادي، شيماء بتتكلم عن كورس اليوجا، وأحمد بيشتكي من الجيران. كان صوت "عيلة" بس مكنش فيه "روح" العيلة.

​ياسين كان بياكل بالراحة، ودي عادته لما بيحس إنه غريب.. بيقطع الأكل حتت صغيرة، عينه في طبقه، ومبيفتحش بقه إلا لو حد سأله.

​أحمد سند ضهره لورا بثقة زايدة، الثقة اللي بتيجي للواحد لما مبيلاقيش حد يوقفه عند حده. دراعه كان مفرود على التربيزة، العضلات اللي عملها في الجيم اللي أنا كنت بدفع اشتراكه شهرياً، لأني كنت مصدق حججه.. أو يمكن كنت عايز أصدقها.

​في نص العشا، شيماء بصت لياسين وقالتله:

"عملت إيه في مادة الأحياء؟"

ياسين رد بصوت واطي: "كويسة، بنذاكر علم الوراثة."

أحمد كرر الكلمة وراه وهو بيبصله بتركيز: "علم الوراثة.." وبعدين نطقها:

"ابنك ملوش مكان هنا.. هو مش من دمنا."

​الكلمة نزلت زي السكين، والصمت ملى المكان.

ياسين ماتحركش، بس شوفت لقمته وهي واقفة في زوره وهو بيحاول يتماسك.

بصيت لأحمد وحاولت أخلي صوتي ثابت:

"عايز تعيد اللي قلته ده تاني؟"

​مترددش للحظة:

"ده ابن متبني، مش من دمنا. تقدري تضحكي على

نفسك زي ما أنتي عايزة، بس هو مش من العيلة."

شيماء هزت رأسها ببرود وكأنها كانت مستنية اللحظة دي وقالت:

"يبقى يمكن الأحسن إنكم تمشوا أنتوا الاتنين."

​في اللحظة دي، كل حاجة نورت قدام عيني.

كان ممكن أزعق، أهاجم، أو أطلب احترامنا.. بس ده كان هيديهم اللي هما عايزينه.

عشان كدة اخترت طريق تاني.

قمت وقفت في هدوء تام.

من غير عصبية، ومن غير فضايح.

بكل يقين.

 

بصيت لـ "أحمد" ومراته "شيماء" ببرود، وأنا شايف الفزع بدأ يتسلل لملامحهم أول ما جبت سيرة الفيزا كارد.

​أحمد حاول يلم الموضوع بس لسه بنبرة الغرور بتاعته: "إيه اللي دخل الفيزا في الموضوع دلوقت؟ إحنا بنتكلم عن الأصول والعيلة!"

​ابتسمت وقولتله: "الأصول؟ الأصول دي اللي خلتني أدفعلك إيجار شقتك ست شهور لما كنت عاطل، والأصول هي اللي خلتني أمضي ضامن ليك في قرض العربية اللي لسه بتدفع أقساطه من حسابي.. والجيم اللي عامل فيه بطل ده؟ أنا اللي دافع اشتراكه السنوي. بما إن ياسين مش من العيلة، وبما إننا 'مغلوبين على أمرنا' في بيتكم.. يبقى ملوش لزوم أكون 'عيلة' لما ييجي وقت الدفع."

​شيماء وشها بقى لونه أصفر: "يا حبيبتي

إحنا بس كنا بنتكلم.. مكنش قصدنا، أنتي عارفة أحمد دبش شوية."

​بصيت لياسين اللي كان بدأ يرفع راسه، وعينه لمعت ببريق فخر مكنتش شوفته فيها من سنين. قولتله: "قوم يا ياسين، مفيش لقمة في البيت ده هتدخل جوفنا تاني."

​أحمد قام وقف وهو بيترعش: "لو وقفتي التحويلات، البنك هيسحب العربية والشقة عليها متأخرات!"

​رديت وأنا ماشية ناحية الباب: "دي مشكلتك يا 'أخويا'. روح دور على حد من 'دمك' يسندك، يمكن الوراثة تنفعك في سداد الديون. أما ابني اللي مش عاجبك ده، فهو العيلة الوحيدة اللي تلزمني، وأي مكان هو فيه.. هو ده المكان اللي أنتمي ليه."

​رزعت الباب ورايا وأنا حاسة براحة مش طبيعية. ركبنا العربية، وياسين فضل ساكت شوية، وبعدين بصلي وقال: "ماما.. أنتي بجد عملتي كدة عشاني؟"

​مسكت إيده وقولتله: "أنا عملت كدة عشان إحنا أغلى من إننا نتحايل على حد يحبنا يا ياسين. إحنا عيلة بجد، مش بمجرد ورق أو دم، إحنا عيلة بالحب والمواقف.. والنهاردة إحنا بدأنا صفحة جديدة، مفهاش مكان لأي حد يقلل منك."

​ياسين ابتسم، ولأول مرة من وقت طويل، ضحكته كانت من القلب ومفيهاش أي حذر. ومن يومها، عرفت إن "العيلة" هي

اللي بتختارها بقلبك، مش اللي بتفرضها عليك الظروف.

تمت...

#روايات_مشيره_محمد

تم نسخ الرابط