الاعمى... روايات مشيره محمد
لمدة اتناشر سنة، الكل كان مصدق إن “ياسين الكالداوي” مبيشوفش.. لحد ما دخلت بنت صغيرة جنينة القصر بتاع والده، وهمست بالجملة اللي ولا دكتور اتجرأ يقولها قبل كده:
”عينيك مش ميتة.”
الجنينة سكتت تماماً.
”ياسين” كان قاعد مبيتحركش قدام البيانو الكبير في الصالون المفتوح على الجنينة في عزبة الكالداوي، إيديه الباهتة كانت ساندة على المفاتيح كأن المزيكا اتقطعت من الهوا فجأة. نور الشمس كان مالي الأرض الرخام، والورد البلدي الأبيض مالي السور الحديد برا، وعند البوابة الكبيرة كان فيه اتنين حراس واقفين متسمرين.
وقدام “ياسين” كانت واقفة بنت صغيرة محدش يعرفها.
كان باين عندها حوالي تسع سنين، شعرها بني غامق ومنكوش من الهوا، وبشرتها قمحية، ولابسة جاكيت أصفر دبلان فوق فستان أزرق بسيط، وكوتشي أبيض متغرق تراب من المشوار الطويل لحد باب العزبة. مكنتش بتعيط، ولا كانت خايفة.. كانت بتبص لـ “ياسين” كأنها جاية مخصوص علشانه.
”ياسين” كان فاقد البصر من وهو عيل صغير.. أو ده على الأقل اللي العالم كله كان فاكره.
أبوه، “عثمان الكالداوي”، صرف اتناشر سنة وثروة مهولة عشان يحاول يرجع لابنه نظره. أكبر جراحين العيون في مصر كشفوا عليه، وخبراء في سويسرا درسوا حالته، وحتى في عيادة سرية في طوكيو قعد تلات شهور تحت الاختبار ورا أبواب مقفولة. الحيتان ورجال الأعمال كانوا بيتوشوشوا عن الولد اللي أبوه يقدر يشتري أي حاجة في الدنيا إلا النور.
كل الدكاترة أدوا “عثمان” نفس الرد:
حالة دايمة.. ملهاش تفسير.
وفي الآخر، حتى “عثمان” نفسه بطل يطلب معجزات.
قدام الناس، كان لسه الملياردير القوي ببدلته الرمادي الشيك، وشعره الفضي، وابتسامته الهادية. في حفلات الخير كان بيتكلم عن الأمل، وفي حملات التبرع الطبي كان بيسلم على الناس ويوعدهم إنه هيفضل يحارب عشان أطفال زي “ياسين”.
بس جوا القصر، الحقيقة كانت أصعب بكتير.
”ياسين” كان عايش في ضلمة.
مفيش غروب شمس، مفيش وشوش، مفيش مراية.. ولا حتى فاكر شكل عين أمه. مفيش غير سواد وسكون ملهوش نهاية.. إلا لما كان بيلعب مزيكا.
كل يوم بعد الظهر، “ياسين” كان بيقعد على البيانو، والشغالين كانوا بيقفوا في الطرقة بس عشان يسمعوه. مزيكته كانت هادية، حزينة، وجميلة.. كأنها شخص بيحاول يفتكر عالم ضاع منه.
بس الظهرية دي، كان فيه حاجة مختلفة.
”ياسين” وقف عزف في نص نغمة.
راسه لفت براحة ناحية آخر الجنينة.
”عثمان” لاحظ ده، والحراس كمان.
وبعدها البنت الصغيرة اتسحبت من البوابة الحديد.
واحد من الحراس زعق: “يا بت! إنتي مين؟ مينفعش تكوني هنا!”
البنت كملت مشي ولا كأنها سامعة.
الحارس قرب منها، بس “ياسين” رفع إيده.
”سيبوها.”
صوته كان واطي، بس الكلمة كانت أقوى من أي زعيق.
وش “عثمان” اتشنج وقال: “ياسين؟”
البنت قربت أكتر لحد ما وقفت قدامه بالظبط. فضلت تتأمل وشه، وبعدين عينيه.. مكنش فيه في نظرتها شفقَة ولا خوف.
كان فيه “يقين”.
همست وقالت: “عينيك مش ميتة.”
”عثمان” نفسه انقطع: “قلتي إيه يا بت إنتي؟”
البنت مبصتلوش خالص.
ميلت
جو تقيل وبرد مفاجئ ساد في المكان.
“ياسين” مد إيده براحة لقدام.
وبدقة مستحيلة، لقى إيد البنت ومسكها.
دم “عثمان” اتجمد في عروقه.. ابنه الأعمى مكنش المفروض يعرف هي واقفة فين بالظبط.
حذر ابنه وقال: “ياسين!”
بس “ياسين” مسبش إيدها.
خد إيد البنت الصغيرة ووجهها لوشه. البنت لمست خده بحنية، وبعدين طلعت صوابعها لفوق، ناحية طرف عينه اليمين.
”عثمان” قرب وهو بيقول: “بس! ابعدي عنه!”
صوت البنت اترعش لأول مرة: “كانت مستنية.”
وقبل ما “عثمان” يوصلهم، عملت حركة واحدة دقيقة.
“ياسين” نهج وخد نفسه بصعوبة كأنه بيغرق.
حاجة سودة اتزحلقت من عينه لكف إيد البنت.
كانت حاجة صغيرة جداً..
مبلولة..
وبتحرك.
الحراس رجعوا لورا بخضة، والخادم وقع صينية الفضة اللي كانت في إيده. “عثمان” فضل باصص للشيء اللي في إيد الطفلة بذهول، والورد اللي برا كان بيتهز مع الهوا.
”ياسين” فتح عينيه أوسع مما فتحها من اتناشر سنة.
ولثانية واحدة مستحيلة، بص لأبوه “مباشرة”.
مش باصص في الفراغ.. كان باصص “له”.
ساعتها البنت همست: “فيه حد حطها هنا.”
وش “عثمان” بقى أبيض زي الورقة.
عشان أياً كان الشيء اللي كان عايش جوا عين “ياسين الكالداوي” اتناشر سنة..
موصليش هناك بالصدفة.
الجزء التاني: سر “عزبة الكالداوي”
ياسين كان مذهول، ولأول مرة من اتناشر سنة مكنش شايف ضلمة.. كان شايف ملامح أبوه “عثمان” اللي وشه قلب ألوان. البنت الصغيرة فضلت ماسكة الحاجة السودة
عثمان اتعصب وزعق في الحراس: “خدوا البت دي من هنا! دي مجنونة!”
بس قبل ما حد يقرب، البنت فتحت إيدها، والحاجة السودة دي طارت في الهوا واختفت في ثانية وسط شجر الجنينة.
ياسين قام وقف، وبدأ يمشي بخطوات ثابتة لأول مرة من غير مساعدة حد ولا عصاية.. مشي ناحية أبوه وبص في عينيه مباشرة وقال بصوت فيه نبرة غريبة: “يا بابا، أنا بقيت شايف كل حاجة.. شايف حتى اللي إنت كنت مخبيه ورا الخزنة في المكتب.”
عثمان جسمه اتنفض، والسر اللي كان دافنه سنين بدأ يظهر على الوش. اتضح إن الحادــ,,ـثة اللي ياسين فقد فيها نظره وهو صغير مكنتش حادــ,,ـثة عادية.. دي كانت “لعبة” قذرة عشان ياسين ميقدرش يورث ثروة جده، وعثمان يفضل هو اللي متحكم في كل حاجة.
الحاجة اللي كانت في عين ياسين مكنتش مرض، دي كانت “تكنولوجيا محرمة” زرعها دكتور مأجور بتعليمات من عثمان، عشان تعطل أعصاب العين وتصور كل اللي ياسين بيسمعه.. عثمان مكنش بيحاول يعالجه، كان بيحاول يتأكد إن “السر” هيفضل مستخبي جوه ضلمة عين ابنه.
ياسين قرب من عثمان وهمس في ودنه: “البنت دي مش غريبة يا بابا.. دي روح ‘أمي’ اللي بعتتها عشان تفوقني.. ودلوقتي، الحساب بدأ.”
في لحظة، البنت الصغيرة اختفت من الجنينة كأن الأرض انشقت وبلعتها، والبوليس وصل القصر بناءً على بلاغ مجهول فيه تسجيلات صوتية وصور لكل اللي عمله عثمان الكالداوي طول السنين
ياسين رجع يشوف النور، بس المرة دي شاف الحقيقة المرة.. إن أقرب الناس ليه كان هو اللي سارقه عمره ونظره.
تمت..