دعوة فرح.. روايات مشيره محمد
( دعوة فرح)
بعد مرور ستة أشهر على طلاقنا، ظهر طليقي فجأة قدام باب بيتي، ومعاه خطيبته ودعوة فرحهم.
كنت لسه والدة بقالي خمس أيام.
النزيف لسه شغال.. وماشية بضهري محني من وجع جرح القيصرية.
وكل ست دقائق بلف حوالين ابني "ياسين" اللي اتولد قبل ميعاده عشان أتأكد إنه لسه بيتنفس.
الدنيا كانت بتمطر برا، وصوت المطر على الشباك بيزود الوجع.. والبيت ريحته مخلوطة بريحة الكماويل والرضعات والخوف.
فجأة جرس الباب رن.
فتحت الباب والجنزير لسه مقفول.
لقيت "يحيى" واقف في الطرقة.. لابس بدلة شيك جداً، ووشه بارد زي وشه وهو بيطلقني في المحكمة.
وجنبه كانت واقفة "فريدة".. لابسة معطف غالي وحلق لولي، وابتسامة باردة تقطع زي الموس.
مدت إيدها بظرف أبيض فخم وقالت: "إحنا هنتجوز.. وقولنا من الأصول إننا لازم نعزمك".
فضلت باصة للظرف وأنا مذهولة.. وفي اللحظة دي ابني طلع صوت صغير ورايا.
عيني "يحيى" اتخطفت للوضة اللي ورايا، ووشه اصفرّ فجأة.
"إيه الصوت ده؟"
شديت الباب عليا شوية: "ولا حاجة".
ابتسامة "فريدة" اختفت وسألت بريبة: "هو ده صوت بيبي؟"
مسكت نفسي ومرديتش.
"يحيى" حط إيده على الباب وقالي بحدة: "افتحي الباب ده".
"لأ".
"يا سارة.."
"ماتنطقش اسمي بالهجة دي تاني.. أنت مالكش حكم هنا".
البيبي اتحرك تاني.. صوته كان حقيقي، ناعم، ومالي المكان.
"يحيى" اتصدم كأنه خد بوكس في وشه: "عمره قد إيه؟"
كنت ماسكة الجنزير بإيد والباب بالإيد التانية: "خمس أيام".
"فريدة" لفت ناحيته ببطء وقالت بذهول: "خمس أيام؟"
"يحيى" مردش عليها، كان عمال يحسبها في دماغه.. مطلقين من ست شهور.. والبيبي لسه مولود.
جز على سنانه وسأل:
كنت هضحك من الوجع.. مش عشان الموضوع يضحك، بس عشان هو سابني وأنا مرمية على أرضية الحمام ومعايا تحليل حمل إيجابي، وقالي "أنا مابقتش حمل وجع دماغ ومسؤولية".
حتى ما أدانيش فرصة أنطق.
"فريدة" همست: "يحيى.. هو فيه حاجة أنت مخبيها عليا؟"
تجاهلها تماماً وقال: "سارة، افتحي الباب".
"قولتلك لأ".
وطى صوته وقال: "أهلي لازم يعرفوا".
أهو ده "يحيى".. ماقالش "أنا لازم أعرف"، أو "أنتي كويسة؟".
لا.. العيلة.. اسم "عيلة السيوفي".. والوريث اللي هيشيل الاسم.
بصيت لـ "فريدة" وقولت: "إنتي جيتي عشان تديني دعوة الفرح.. مبروك، وصلتي أمانتك".
جيت أقفل الباب، راح "يحيى" ضارب الباب بكف إيده بقوة.. الجنزير اتشد جامد لدرجة إن غرز العملية وجعتني لدرجة إني شوفت الدنيا بيضا.
شهقت من الألم، ووشه اتغير للحظة وبان فيه ملامح إنسانية.. بس "فريدة" قربت وقالت بقوة: "لو الطفل ده ابن يحيى، الموضوع مابقاش بإيدك خلاص".
الطرقة هديت تماماً.. بصيت لإيدها اللي ماسكة الظرف، ولـ وش "يحيى"، ولابني اللي نايم ورايا.
طلعت موبايلي.. مكلمتوش هو، ولا كلمت مامته.
كلمت المحامي بتاعي.
"يحيى" ضيق عينه: "سارة، بلاش تخلي الأمور تقلب بدمار".
بصيت له من ورا فتحة الباب والخط اتفتح: "أنت جاي بـ خطيبتك لحد باب بيتي وأنا لسه والدة من خمس أيام وبتتهجم عليا عشان تاخد ابني؟"
المحامي رد: "أستاذة سارة؟"
فتحت السبيكر وقولت: "يحيى السيوفي واقف قدام شقتي وبيحاول يدخل بالعافية، ومعاه فريدة، وعرفوا بـ (ياسين)".
"يحيى" اتسمر مكانه.. وفريدة همست بذهول: "أنتي سميتيه؟"
رديت بقوة: "ياسين يحيى السيوفي".
الجملة دي هزت "يحيى" من جواه، بس صوت
"فريدة" عينها وسعت: "قضية؟"
ابتسمت بتعب وقلت لها: "إنتي كنتي فاكرة إني مخبياه عشان أنا ضعيفة؟"
فجأة موبايلي رن برسالة من مامة "يحيى": (إحنا عرفنا كل حاجة. ماتمضيش على أي ورقة.. عيلة السيوفي هي اللي هتربي الولد).
لفيت الشاشة ناحية "يحيى".. وشه بقى زي الورقة البيضا، لأنه مكنش هو اللي قال لها.
"فريدة" شافت الرسالة، وفي نفس اللحظة جت رسالة تانية من رقم مجهول.. صورة لـ أوراق خروجي من المستشفى!
حد اخترق بياناتي وطلعها.
المحامي سكت ثانية وقال: "سارة، ابعتيلي الصورة دي حالاً".
"يحيى" همس: "إيه ده؟"
بصيت له بكسرة: "أهلك طلعوا ملفي الطبي من المستشفى بطرق غير قانونية".
"فريدة" رجعت خطوة لورا: "ده تهريج.. دي جريمة".
قولتلها ببرود: "أهلاً بيكي في العيلة".
فجأة "ياسين" بدأ يعيط.. عياط هادي بس واصل للكل.. "يحيى" كان بيبص جوه الشقة كأن له حق، و"فريدة" بدأت تفهم إن دعوة الفرح بتاعتها فتحت نار جهنم.
الأسانسير رن وراهما.. ونزل منه اتنين أمناء شرطة.
ومن وراهم ظهر "الأستاذ ماهر" المحامي بتاعي، وهو ماسك ملف مقفول وماشي ناحية "يحيى" بثبات.
"كويس"، قالها بصرامة، "الكل متجمع".
"يحيى" بلع ريقه: "فيه إيه؟"
ماهر رفع الملف وقاله: "دي دعوى حضانة مستعجلة مامتك رفعتها قبل ما سارة تخرج من المستشفى أصلاً".
نفسي انقطع.. "يحيى" بصلي وهو مذهول، بس أنا كنت باصة للظرف اللي في إيد "ماهر".
لأن الظرف مكنش عليه اسمي.. كان عليه اسم ابني.
روايات مشيره
الجزء الأخير:
المحامي ماهر فتح الظرف قدام الكل، وصوته كان زي الرعد في الطرقة: "الست والدتك يا يحيى بيه مقدمة طلب وصاية مستعجلة، وبتقول إن الأم غير مؤهلة نفسياً، وإنها استغلت نفوذ عيلة السيوفي عشان تطلع تقارير طبية من وراكي يا سارة."
يحيى كان واقف مذهول، بص لفريدة اللي كانت هتموت من الكسوف والخوف، وقال بصوت مهزوز: "أنا مكنتش أعرف إن أمي عملت كده.. أنا لسه عارف بالولد دلوقتي!"
فريدة فجأة صرخت فيه: "إنت كداب! إنت وأهلك ناس مرعبة.. أنا مالي ومال المحاكم والشرطة؟" ورمت دعوة الفرح في الأرض ومشيت تجري ناحية الأسانسير وهي بتبكي.
سارة ساندت نفسها على الباب بوجع، وبصت ليحيى في عينه وقالتله: "شوفت؟ خربت بيتك الجديد قبل ما يبدأ.. والمرة دي مش أنا اللي عملت كده، دي أفعالكم السودا هي اللي ردت في وشكم."
يحيى حاول يقرب من الباب وهو بيقول: "سارة، أنا عايز أشوف ابني.. ده حقي!"
لكن العسكري منعه بحزم، والمحامي ماهر طلع ورقة تانية وقال: "وحقك ده هتاخده في المحكمة يا يحيى بيه.. إحنا قدمنا بلاغ رسمي باختراق السجلات الطبية والتشهير، والنيابة هتستدعي الست والدتك بكرة الصبح."
يحيى وشه جاب ألوان، وبص لسارة بكسرة لأول مرة في حياته، كان شكله ضايع ومكسور قدام هيبة القانون وقوة سارة اللي كانت واقفه رغم جرحها.
سارة بصت له ببرود وسحبت الجنزير وقفلت الباب في وشه بكل هدوء. دخلت جوه، شالت ياسين اللي كان سكت خلاص، وضمته لصدرها وهي بتعيط.. بس المرة دي مكنتش دموع خوف، كانت دموع نصر.
أخيراً، "عيلة السيوفي" اللي كانت فاكرة إنها تملك كل حاجة، اكتشفت إن فيه حاجة واحدة مش هيعرفوا يشتروها بفلوسهم: "ياسين"
قفلت الشباك وصوت المطر لسه شغال، بس المرة دي البيت كان ريحته "أمان".