حفيد مين.؟؟؟ مشيره محمد

لمحة نيوز

بعد جنازة جوزي، وطيّت على حماتي وهمستلها: "أنا المية نزلت عليا، بولد". بصتلي بقرف وقالت: "إحنا في عزا.. اطلبي تاكسي لنفسك". وأخوه برطم وقال: "مش وقته النهاردة خالص".
فعلاً، طلبت تاكسي لنفسي.. وكنت لوحدي.
بعد اتناشر يوم، لقيتها بتضرب جرس الباب عندي وتقول: "أنا جاية أشوف حفيدي".
رديت عليها بكل برود: "حفيد مين؟!"
​أول طلقة ولادة جاتلي وهما بينزلوا جوزي القبر. والطلقة التانية جاتلي لما أمه بصت في وشي وقالت: "ما تخليش اليوم كله يدور حواليكي وعن مشاكلك".
​المطر كان نازل على الشمسيات السودة زي الحبر السايل. كنت متبتة بإيدي في طرف نعش "سامح" لحد ما صوابعي ابيضت من كتر الضغط. كنت في الشهر التاسع، أرملة بقالي تلات أيام بس، وواقفة وسط ناس بدأوا يوزعوا ويقسموا حياتي وحاجتي بينهم وهي لسه مخلصتش.
​حماتي، "فادية"، كانت حاطة طرحة سودة تقيلة وطويلة كفاية عشان تدراي عينيها الناشفة اللي منزلتش دمعة. وجنبها كان واقف "طارق"، أخو سامح الصغير؛ فكه مشدود، إيديه نضيفة، ولابس بدلة غالية بزيادة على واحد لسه من فترة قريبة كان مستلف مننا فلوس عشان "آخر مشروع وهيقف على رجله".
​قربت من فادية وهمست في ودنها: "أنا المية نزلت عليا".
عينيها حتى مبرمشتش!
بصتلي باستهزاء وقالت: "إحنا في عزا.. اطلبي تاكسي لنفسك".
طارق بص في ساعته وقال: "مش وقته خالص يا علا النهاردة".
​مش وقته!
كأن الولادة دي ميعاد عشا في مطعم وممكن يتأجل.
كأن ابن سامح اللي جاي في السكة ده مجرد دوشة وتعطيل ليهم.
​كام حد من القرايب بصلنا، وبعدين داروا وشهم بسرعة.. مفيش مخلوق كان عايز يقف في الوش بين الأرملة الحامل وبين كبيرة عيلة "هلال".
​عشان كده عملت بالظبط اللي كانوا مستنيينه من الزوجة الهادية المستسلمة.
هزيت راسي..
رجعت خطوتين لورا..
وطلبت تاكسي لنفسي.. لوحدي.
​في الكنبة الورانية للتاكسي، وهدومي السودة غرَقانة مية، كنت بتابع المدافن وهي بتختفي ورا سحاب المطر. ما عيطتش.. ما عيطتش حتى لما السواق اتهز وخاف عند إشارة المرور، ولا لما الوجع كان بيقطع في جسمي ويقسمه نصين، ولا حتى لما وصلت المستشفى ولقيت نفسي بطولي.. مفيش كائن مستنيني، ولا حد ماسك إيدي.
​الساعة 2:17 بعد نص الليل، ابني شرف الدنيا.
أخد شعر سامح الأسود الناعم، وأخد مني عنادي ونفسي الطويل.
سميته "يحيى".
​بعد اتناشر يوم بالتمام والكمال، فادية كانت بتضرب جرس بابي.
جت ولابسة عقد اللولي، وريحة برفيومها سابقاها، والمنظرة لسه في عينيها. وطارق كان واقف وراها، ماسك دبدوب كبير تيكت السعر لسه متعلّق فيه وماتشالش.
​فادية ابتسمت وكأن الجنازة دي محصلتش أصلاً ولا كان فيه حاجة.
وقالت: "أنا جاية أشوف حفيدي".
​بصيتلها.. وبعدين بصيت لطارق.. وبعدين بصيت لكاميرا المراقبة اللي بتنور وتطفي فوق الباب عندي.
وقلتلها: "حفيد مين؟"
​ابتسامتها اتمحت من على وشها.. وطارق كشّر وقالي: "قصدك إيه بالكلام ده؟"
​فتحت الباب على آخره، وسعتلهم بس كفاية عشان يشوفوا المحامي بتاعي وهو قاعد على سفرتي، وقدامه تلات ملفات، وقلم فضة، وملامح وشه جامدة ومبتتحركش زي الصخر.
​وقلتلها بصوت واطي وهادي: "قصدي.. إنكم كان لازم تكونوا أحن من كده والمطر مغرقنا".

روايــات_مشـيره_مـحمد

فادية بصت للمحامي اللي قاعد جوة، وبلعت ريقها بصعوبة، لكن ملامح الكِبر والتعالي رجعت بسرعة على وشها. دارت نظرتها بيني وبين طارق، وسندت إيدها على الباب وقالت بنبرة حادة: "جرى إيه يا علا؟ إنتِ اتجننتي؟ إيه المحامي والملفات دي؟ إحنا جايين نشوف ابن ابننا، مش جايين محكمة!"

​رديت عليها وأنا واقفة في مكاني، ساندة إيدي على حافة الباب، ووشي مفيش فيه أي تعبير: "ابن ابنكم؟ وابن ابنكم ده كان فين والمطر نازل يغرقني وأنا بموت من الوجع؟ كان فين لما طلبت منكم تلحقوني وقلتولي مش وقته؟"

​طارق خطى خطوة لقدام، وحاول يداري ارتباكه وهو بيعدل ياقة بدلته الغالية، وقال بصوت عالي شوية عشان يثبت وجوده: "يا علا كبري دماغك، إنتِ لسه نفسيتك تعبانة من الصدمة، ومفيش داعي للفيلم العربي اللي بتعمليه ده. إحنا مقدرين ظروفك، بس دي أم سامح ودا طفل عيلة هلال، ومحدش يقدر يمنعنا عنه. عدينا وخلينا ندخل بلاش فضايح قدام الجيران في العمارة".

​ابتسمت ابتسامة باردة جداً، وبصيت للدبدوب اللي في إيده والتيكت بتاعه بيتهز: "فضايح؟ إنتو لسه بتخافوا على منظركم؟ طب كويس. بس الدخول هنا مبقاش بالسهولة دي يا طارق. المحامي اللي جوة ده مش جاي يبارك، دا الأستاذ عاصم، ومتهيألي يا طارق إنت عارفه كويس، مش دا برضه اللي كان ماسك قضايا الحجر والشراكة بتاعة باباك الله يرحمه؟"

تم نسخ الرابط