حفيد مين.؟؟؟ مشيره محمد

لمحة نيوز

​وش طارق خطف لون، وبص لأمه بخوف مكتوم. فادية دخلت من غير ما تستأذن، زقت الباب بكتفها ودخلت الصالة، وطارق دخل وراها وهو بيلتفت حواليه كأنه بيدور على مصيبة هتقع فوق دماغه.

​الأستاذ عاصم قام وقف بكل هيبة، عدل نظارته وبص ل فادية وقال بنبرة رسمية تخوف: "أهلاً يا فادية هانم. البقاء لله في سامح بيه. اتفضلوا استريحوا، عشان الكلام اللي هنقوله مش هيعجبكم، ومحتاج أعصاب هادية".

​فادية قعدت على حرف الكنبة، وحطت شنطتها الماركة جنبها بحدة: "أنا مش هقعد ولا هسمع حاجة. أنا جاية أشوف يحيى، ابني قالي إنك سميتيه يحيى على اسم جده. فين الواد؟"

​قعدت على الكرسي اللي قصادها، وحطيت رجل على رجل، وبكل ثبات قلتلها: "يحيى نايم جوة، ومش هيشوف حد. والأستاذ عاصم هنا عشان يبلغكم بقرار رسمي وقانوني، وكمان إنساني.. لو كنتم تعرفوا يعني إيه إنسانية".

​الأستاذ عاصم فتح أول ملف قدامه، وطلع ورقة وبدأ يقرا: "بصي يا فادية هانم، بصفتي الوكيل القانوني للمدام علا، وبناءً على التوكيل العام الرسمي اللي سابه المرحوم سامح هلال لزوجته قبل وفاته بشهرين.. أحب أبلغكم بكام نقطة. أولاً: المرحوم سامح كان مأمن على حياته بمبلغ ضخم جداً، والمستفيد الوحيد في وثيقة التأمين دي هي زوجته علا وابنه يحيى فقط، ومفيش أي حق لأي مخلوق تاني في القرش ده".

​طارق اتقمص دور الأخ المصدوم، وقال بسرعة ونبرة صوته فيها طمع واضح: "نعم؟ وسامح يعمل كده من ورايا؟ وإزاي يكتب كل حاجة ليها ولابنه؟ والديون اللي عليه؟ والشركات اللي باسمنا؟"

​الأستاذ عاصم بص لطارق بنظرة احتقار وطلع الملف التاني: "ثانياً بقى يا أستاذ طارق.. الشركات اللي باسمكم دي، المرحوم سامح كان شاري نصيبك فيها بالكامل بعقود بيع وشراء موثقة، بعد ما إنت خسرت فلوس الشراكة الأخيرة واستلفت منه مبالغ ضخمة وعجزت عن السداد. العقود دي بتقول إن نصيب سامح في المحلات والشركة بقى 85%، والنصيب ده كله بيتنقل شرعاً وقانوناً لإبنه القاصر يحيى، وتحت وصاية والدته علا.. يعني من الآخر كده يا أستاذ طارق، إنت شغال في الشركة دي موظف بمرتب، وملكش أي حق في الإدارة أو الأرباح الكبيرة اللي كنت بتاخدها من ورا أخوك".

​فادية وقفت من طولها، وشها احمر وعروق رقبتها برزت: "إنت بتقول إيه يا راجل إنت؟ إنت جاي تخرب بيتنا؟ سامح يعمل في أمه وأخوه كده؟ دي أكيد البنت دي هي اللي لعبت في دماغه وخليته يكتب كل حاجة ليها!"

​بصيت ل فادية ودموعي أخيراً لمعت في عيني، بس مش دموع ضعف، دي كانت دموع قهر وحق بيرجع: "سامح ما عملش كده من وراه يا فادية هانم. سامح عمل كده لما عرف إنكم كنتم بتخططوا تاخدوا منه كل حاجة لو جراله حاجة. سامح كان عارف إن طارق بيسرق من وراه، وكان عارف إنك بتفضلي طارق عليه في كل حاجة وتديله من فلوس سامح. سامح أمنني أنا وابنه عشان كان عارف إنكم مفيش في قلوبكم رحمة.. وعرف قيمتكم صح، واليوم اللي مات فيه أثبت إن نظريته كانت صح مية في المية".

​طارق رمى الدبدوب على الأرض بغضب، وبدأ يزعق: "مش هنسيبكم تاخدوا شقى أخويا! أنا هرفع قضية حجر، وهطعن في العقود دي! إنتِ واحدة غريبة عننا ومش هتاكلي ورث عيلة هلال!"

​الأستاذ عاصم خبط بإيده على السفرة خبطة قوية خلتهم يتنفضوا: "الزم حدودك يا أستاذ طارق! العقود موثقة في الشهر العقاري وبصمة وصوت وصورة للمرحوم سامح وهو في كامل قواه العقلية. وأي محاولة وشوشة أو قضايا هترفعوها، هتقابلها قضية تزوير وبلاغات بتبديد أموال الشركة اللي إنت سحبتها الشهور اللي فاتت بدون وجه حق. أنا معايا كشف حساب بكل مليم إنت أخدته يا طارق من ورا أخوك وهو عيان".

​طارق رجع خطوة لورا، وبدأ ينهج من الصدمة. بص لأمه وهو مش عارف ينطق، كأن جبل انهد فوق دماغه. الرفاهية والبدلة الغالية والعربيات اللي كان بيركبها من خير أخوه، كل ده اتبخر في ثانية.

​فادية بصتلي بنظرة مليانة غل، وحاولت تستعطفني وهي بتغير نبرة صوتها: "يا علا.. إحنا أهل برضه. وسامح راح، مش لازم نقطع حبل الود اللي بيننا. مهما كان دا ابن سامح الغالي، وحتة منه. أنا جدته، وعايزة أربيه وأعوضه عن حنان أبوه".

​ضحكت بصوت مسموع، ضحكة مليانة وجع وسخرية: "توديه؟ وتعوضيه؟ إنتِ نسيتي نفسك يا فادية؟ نسيتي لما كنت واقفة في المدافن والمطر بيغرقني والوجع بيقطع في بطني وقلتلك أنا بولد، وقلتيلي إحنا في عزا اطلبي تاكسي لنفسك؟ نسيتي ابنك طارق وهو بيبص في ساعته ويقولي مش وقته النهاردة خالص يا علا؟ كأن ابني كان جاي يشحت منكم، مش حتة من ابنك اللي لسه مدفون تحت التراب من دقايق!"

​وقفت ومشيت ناحية الباب، وفتحته على آخره: "يحيى ملوش أهل غيري. ومفيش مليم واحد من فلوس سامح هيروح للي خذلوه وخذلوا مراته وابنه في أصعب لحظة في حياتهم. إنتو جيتوا عشان الفلوس والورث، ولما لقيتوا إن كل حاجة بقت في إيدي، افتكرتوا إنكم أهل وإن ده حفيدكم".

​فادية قربت مني وعينيها بتطلع شرار: "مش هنسيبك يا علا، والأيام بيننا، والواد ده هناخده منك بالقانون".

​رديت عليها وأنا بسبت عيني في عينها بكل قوة: "أعلى ما في خيلكم اركبوه. المحامي قدامكم والمحاكم موجودة، بس افتكروا كويس.. إنكم لو كنتم حنينين والمطر نازل، كان زمانكم دلوقتي شايلين يحيى في حضنكم وبتفرحوا بيه، والبيت ده مفتوح لكم بالخير. لكن إنتو اخترتوا القسوة، ودلوقتي هتدوقوا نتيجة اختياركم. برا.. مش عايزة أشوف وشكم هنا تاني".

​طارق شد أمه من إيدها وهو بيبرطم بكلام مش مفهوم، ووشه جايب ألوان من الخزي والخوف من اللي جاي. خرجوا من الباب وهم بيجروا أذيال الخيبة، والمنظرة والكبرياء اللي دخلوا بيهم اتهدوا تماماً.

​قفلت الباب وراهم، وسندت ضهري عليه. النفس اللي حبسته بقالي اتناشر يوم أخيراً طلع. حسيت بحمل تقيل قوي انشال من على كتافي. بصيت على الأرض، لقيت الدبدوب اللي طارق رماه.. مشيت ناحيته، شيلته، وشلت تيكت السعر اللي كان متعلّق فيه ورميته في الزبالة.

​دخلت الأوضة جوة، لقيت الأستاذ عاصم بيلم الملفات بتاعته وبيبصلي باحترام: "برافو يا مدام علا. إنتِ كنتِ قوية جداً. العقود دي هتحميكي وتحمي ابنك طول العمر، ومحدش فيهم هيجرؤ يرفع عينه فيكِ بعد النهاردة".

​قلتله وأنا بحاول أبتسم: "شكراً ليك يا أستاذ عاصم. لولا وقفتك معايا ونصيحة سامح الله يرحمه ليا، كان زمانهم رموني في الشارع أنا وابني".

​بعد ما المحامي مشي، البيت رجع هادي تاني. المطر برة كان بدأ ينزل من جديد، بس المرة دي مكنش مطر خوف وقهر، كان مطر خير وغسيل لكل الوجع اللي فات.

​دخلت أوضة الأطفال، ووطيت على سرير يحيى. كان نايم زي الملاك، شعره الأسود الناعم مغطي جبهته الصغيره، وإيديه الاتنين مفرودين جنبه بسلام. شيلته بالراحة وقربته من حضني، شميت ريحته اللي بتديني قوة مكنتش أعرف إنها جوايا.

​قعدت بيه على الكرسي الهزاز جنب الشباك، وبصيت للسما والمطر النازل على الإزاز. همست في ودنه وبست راسه: "خلاص يا قلب ماما.. حقنا رجع، وبابا أمن لنا حياتنا قبل ما يمشي. ومحدش في الدنيا دي هيقدر يأذيك أو يكسرنا تاني. إحنا هنبدأ من جديد، والمرة دي.. هنكون أقوى بكتير".

​حسيت بيحيى بيتحرك في حضني وبيتنهد تنهيدة دافية، كأنه كان سامعني وحاسس بكل كلمة بقولها. وفي اللحظة دي، عرفت إن الست اللي وقفت في المطر لوحدها وطلبت التاكسي وهي بتموت من الوجع، مقتلتش.. بالعكس، دي ولدت من جديد مع ابنها، وبقت ست تانية خالص، ست مبيكسرهاش الخذلان، ولا بيخوفها المطر.

تمت.. مشيره محمد 

تم نسخ الرابط