فضيحه فى يوم الفرح... مشيره محمد
همهمات المعازيم بدأت تعلو، والكل ساب شوكته وسكينة الفضة وبصوا عليا بذهول. طارق واقف تحت المسرح، وشه جاب ميت لون، وعينه بتبرق بغضب مكبوت وهو بيحاول يبتسم عشان الكاميرات والناس ما تاخدش بالها. قرب من طرف الكوشة ووشوشني بصوت فحيح زي التعبان:
— "نادية! إيه الجنان ده؟ انزلي حالاً وفوقي لنفسك، فضحتينـا قدام الناس!"
بصيت له من فوق لتحت ببرود تام، ومسكت المايك وقربته من بوقي أكتر، وخليت نبرة صوتي ثابتة وقوية تسمع أبعد ترابيزة في القاعة:
— "مساء الخير يا جماعة، منورين فرحنا.. أو المفروض يعني إنه فرحنا. أنا عارفة إن كلكم مستغربين أنا واقفة هنا ليه وماسكة المايك قبل ما نمضي الدفتر، بس الحقيقة فيه شكر واجب لازم أقوله قبل أي حاجة."
الناس كلها سكتت تماماً، حتى شاهيناز هانم اللي كانت قاعدة ورا حبل الـ VIP حطت كاس الشربات من إيدها، وعينها ضيقت بوجل وكبرياء.
تابعت وكلامي نازل زي السكاكين:
— "عايزة أشكر طارق الشناوي، وعيلته الكريمة.. شاهيناز هانم وأخت طارق، على كرم ضيافتهم العظيم لأهلي النهاردة. طبعاً زي ما أنتم شايفين، القاعة هنا متكلفة ملايين، الورد مستورد، والنجف كريستال، والكراسي اللي قدام دي محجوزة للناس الـ 'هاي كلاس'.. الناس اللي شبههم. أما الناس اللي شبهي، اللي طارق باس على دماغي ووعدني إنهم هيقعدوا في أول صف عشان ده حقهم.. فاختاروا لهم مكان مميز جداً يليق بيهم من وجهة نظر عيلة الشناوي."
شاورت بإيدي التانية بوضوح تام ناحية عمود الرخام الضخم اللي في آخر القاعة:
— "شايفين العمود اللي هناك ده؟ جنب باب الطوارئ والمطبخ؟ وراه بالظبط، على كرسيين بلاستيك من بتوع الفراشة، قاعد أغلى اتنين في حياتي. أبويا وأمي. الراجل الطيب اللي شقي طول عمره في محل الحدايد والبويات عشان يكبرني ويعلمني في أحسن مدارس، والست العظيمة اللي رب تني وعلمتني الأصول.. الأصول اللي للأسف ملقيتش منها قشرة في بيت الشناوي."
الصدمة هزت القاعة. سمعت شهقات مكتومة من ترابيزات أصحاب شاهيناز هانم. طارق وشه قلب أحمر دموي، وطلع السلم بتاعي الكوشة وبأدب مصطنع حاول يمسك إيدي ويلويها ورا ضهري وهو بيوشوش:
— "وحياة أمي هتدفعي ثمن الليلة دي غالي.. انزلي يا بنت الحدايد!"
نفضت إيده بقوة وابتعدت عنه خطوة، ووجهت المايك لوشه:
— "سمعتم؟ بيقولي 'يا بنت الحدايد'. أهو أنا بقى فخورة جداً إني بنت الراجل ده. الراجل اللي علمني إن الفلوس بتروح وتيجي، بس الكرامة لو راحت مش هتعرف تشتريها حتى لو معاك ملايين الشناوية كلها."
شاهيناز هانم مقدرتش تستحمل أكتر من كده، وقفت بطولها، والألماظ اللي في رقبتها بيتهز مع نفَسها السريع، وقالت بصوت عالي وهي بتبص للمعازيم كأنها بتعتذر عن الموقف:
— "إيه القذارة دي؟ إحنا غلطانين من الأول إننا وافقنا ندخل الأشكال دي عيلتنا! واحدة بيئة وجاية من قاع المجتمع، فاكرة نفسها هتبقى هانم!"
ضحكت في المايك بصوت عالي ومسموع:
— "الهانم يا شاهيناز هانم، هي اللي بتعرف تحترم الناس مش اللي بتعاير أم العروسة وتقول على خاتمها الدهب 'بسيط بتاع غلابة'. الهانم هي اللي لما تدخل بيت ناس تستقبلها بالترحاب، متسألش باستهزاء 'هو أنتم عندكم شوك وسكاكين فضة في البيت؟'. أنا قعدت شهور ساكتة، ببلع الإهانة تلو الإهانة، وبقول معلش عشان بحب طارق، وعشان فاكرة إنه راجل وهيحميني وهيكون سندي. كنت فاكرة إن قلة الأصل دي تخصك إنتِ وبنتك بس، لكن النهاردة عرفت إن ابنك نسخه منك.. لابس قناع المحترم، ومن جوه أبرد وأقسى من التلج."
التفت لطارق اللي كان واقف وعروق رقبته بارزة من كتر الغل:
— "فاكر يا طارق لما قلتلي بلاش شوشرة وفضايح أصل أهلك مش واخدين على جو الهاي كلاس؟ أهو أنا بقى بريحك وبريح مامي من الوش ده خالص."
بصيت للماذون اللي كان قاعد على الترابيزة ومبلم، الدفتر مفتوح قدامه والقلم في إيده:
— "يا سيادة المأذون.. اقفل الدفتر ده وشيل ورقك. الجوازة دي مش هتم."
القاعة اتملت بالهرج والمرج، ناس وقفت على رجليها، والمصورين مكنوش عارفين يوقفوا فلاشات كاميراتهم من كتر الإثارة. طارق صرخ فيا وهو بيفقد أعصابه تماماً:
— "إنتِ فاكرة نفسك مين عشان ترفضيني؟ ده إنتِ وأهلك تطولوا تناسبوا عيلة الشناوي؟ أنا اللي مستخسر فيكِ اللقمة اللي هتكليها في بيتي!"
— "بيتك؟" قلتها بسخرية وأنا بقلع الطرحة من على راسي وبأرميها تحت رجله على أرض الكوشة: "بيتك ده اشبع بيه إنت ومامي. الفلوس اللي بتذلوا بيها خلق الله دي متلزمنيش. أنا كرامة أبويا عندي تسوى قصر الشناوي كله باللي فيه."
نزلت من على المسرح بكل كبرياء، فستاني الأبيض الطويل كان بيتحرك ورايا وأنا ماشية بخطوات واسعة وثابتة في نص الممر. المعازيم كلهم كانوا باصين عليا، فيهم اللي بيبص بشماتة، وفيهم اللي باصص بإعجاب وذهول من شجاعتي.
وصلت لآخر القاعة، ورا العمود الرخام. أبويا وأمي كانوا واقفين على رجليهم، الدموع في عين أمي بس المرة دي مكنتش دموع انكسار.. كانت دموع خوف عليا وممزوجة بفخر ب بنتها. أبويا كان باصصلي وعينه بتلمع، فتح لي دراعاته وضمني لحضنه بكل قوته.
— "سامحيني يا بنتي.. أنا السبب، كسرنا فرحتك،" همس أبويا بصوت مخنوق.
رفعت راسي وبست إيده ورأسه قدام كل اللي واقفين:
— "بالعكس يا بابا.. إنتوا اللي أنقذتوني من مستنقع مكنتش هعرف أخرج منه. فرحتي الحقيقية هي إن راسي تفضل مرفوعة طول العمر بسببك."
أمي مسحت دموعها وأخدت شنطتها، وقالت بنبرة قوية تليق ب ست مصرية أصيلة:
— "يلا بينا يا بنتي، المكان ده ميشبهناش ولا إحنا نشبهه. نعلّى بره."
واحنا خارجين من الباب الكبير للفندق، لمحت طارق وشاهيناز وهم بيحاولوا يلموا الفضيحة مع الصحفيين والمعازيم اللي بدأوا ينسحبوا واحد ورا التاني، والفرح اللي اتصرف عليه ملايين اتقلب لمأتم لعيلتهم وسمعتهم.
لما طلعنا بره في الهواء الطلق، كان الجو جميل والليل رايق. قعدنا في أول عربية تاكسي قابلتنا. السواق بص للفستان وبابا وماما وقال بابتسامة:
— "ألف مبروك يا عروسة.. على فين يا حاج؟"
أبويا بصلي وابتسم، وقال للسواق بنبرة كله فخر:
— "على بيتنا يا أسطى.. رجّعنا بيتنا الحقيقي وسط ولاد الأصول."
طول الطريق كنت باصة من الشباك، حاسة براحة مكنتش حساها من شهور. الفستان الأبيض مبقاش ليه قيمة، بس الحرية والكرامة كانوا هما المكسب الحقيقي اللي طلعت بيه من الليلة دي. عيلتي البسيطة بكراسيهم البلاستيك الرخيصة كانوا أنبل بكتير من ملوك مزيفين على كراسي مذهبة.
تمت مشيره محمد