كسرة الروح...ومولد الحق

لمحة نيوز

ودك؟ طب شوفي بقى، ودك ده خسرتيه لما رمتي دوا مراتي في الزبالة. الدوا اللي كان بيحمي ابني اللي جاي! ده مش تدليع، ده إجرام!
البيت فضل ساكت تماماً، نور كانت فوق، في الأوضة، سمعت صوت بكاء خفيف. قلبي اتعصر، طلعت أجري على السلم، لقيتها قاعدة على طرف السرير، بتمسح دموعها بخوف.
نور، إنتي كويسة؟ سألتها وأنا بحط إيدي على كتفها.
رفعت عينيها فيا، عينيها كانت حمرة ومورمة أنت عملت إيه تحت؟ هيعملوا فيك إيه؟ مش عايزة مشاكل.. أنا أقدر أنزل أكمل..
مسكت إيدها بقوة ومنعتها تقوم اسمعيني كويس يا نور. من اللحظة دي، مفيش نزول. مفيش طبخ، مفيش تنضيف، مفيش أي حاجة تخصهم. إحنا هنقفل أوضتنا علينا، وأي طلب هيطلبوه هيتنفذ بمعرفتهم هما. أنا موجود، وأنا اللي هحميكي. كفاية وجع، كفاية خضوع. إنتي مش لوحدك، ومش خدامة.
بدأت الساعات الجاية تكون الأصعب في حياتي. نزلت تاني، لقيتهم كلهم متجمعين في المطبخ، بيحاولوا يغسلوا المواعين وهما بيتمتموا بكلمات مش مفهومة. أمي كانت قاعدة في الصالة، وبتبصلي نظرات فيها عتاب، بس نظراتها المرة دي مأثرتش فيا.
دخلت المطبخ، فتحت التلاجة، طلعت الأكل اللي اشتريته، وحطيت كل الحاجات اللي تخصني وتخص نور في كرتونة كبيرة، وطلعتها فوق أوضتنا. كنت قاسي؟ ممكن. بس كانت قسوة ضرورية عشان أوقف مهزلة استمرت شهور.
تاني يوم الصبح، البيت كان مختلف. الهدوء اللي كنت بتمناه طول عمري، اتحقق أخيراً، بس كان هدوء مشحون بالتوتر. أمي خبطت على الباب، فتحت لها.
نور لازم تنزل، البيت مش نضيف، والغدا مين هيعمله؟ قالتها وكأن شيئاً لم يكن.
بصيت لها ببرود نور تعبانة وممنوعة من الحركة زي ما الدكتور قال. والبيت نضيف لما كل واحد ينضف وراه. الغدا؟ كل واحد يطلب دليفري من فلوسه، أو يطبخ لنفسه. أنا النهاردة هروح الشغل، ولما أرجع، مش عايز أسمع صوت مشكلة.
عدت أيام، وكل يوم كان درس قاسي ليهم. في الأول كان فيه صراخ، وفيه محاولات ضغط عليا، وفيه كلام بيتقال في ضهري. بس كنت ثابت. اشتريت ل نور كل اللي محتاجاه عشان ترتاح، وبقيت أعمل كل حاجة في البيت بنفسي لما برجع، وأنا مهدود. نور كانت بتتحسن، صحتها كانت بترجع، وبدأ الخوف يختفي من عينيها.
في يوم، لقيت أختي الصغيرة داخلة المطبخ وهي شايلة طبقها، مترددة، وبصتلي بخجل ممكن.. ممكن تعلمني إزاي أشغل الغسالة؟
حسيت ببريق أمل. الأيام علمتهم إن الراحة مش حق مكتسب، وإن الاحترام هو الأساس.
بعد شهر، البيت بقى مكان مختلف. نور بقت بتمشي في البيت براحة، محدش بيطلب منها حاجة، والكل بدأ يتحمل مسؤوليته. أمي بقت بتعمل كوباية شاي لنفسها، ولأول مرة، شفتها بتدخل أوضتنا تسأل على نور بكل أدب.
في ليلة، كنا قاعدين أنا ونور في البلكونة، بنبص على النجوم. حطيت إيدي على بطنها المنتفخة، وحسيت بحركة الجنين.
عارف يا نور؟ قلت لها بصوت هادي، كنت فاكر إني بشتري الراحة بالفلوس، بس اكتشفت إن الراحة الحقيقية هي إنك تحمي كرامة أغلى الناس عندك. أنا أسف إني سيبتكم توصلوا للمرحلة دي.
مسكت إيدي، وابتسمت ابتسامة حقيقية، لأول مرة من شهور أنت عملت اللي كان لازم يتعمل. دلوقتي، أنا مش بس حاسة إني في بيتي، أنا حاسة إني مسموعة. وشكراً إنك حميتني.
عرفت وقتها إن كسرة الروح اللي حصلت كانت البداية لمولد الحق. حق نور، وحقي كأب وزوج، وحق البيت في إنه يكون مكان للسكن، مش ساحة للصراع والخدمة الإجبارية.
ومن الليلة دي، البيت مكنش مجرد حيطان، كان فعلاً بيت، بيت فيه احترام، وفيه حب، وفيه حدود الكل بيحترمها، عشان يعيش الكل بكرامة. وبدأت صفحة جديدة، صفحة مفيش فيها خدمة غير للي يستاهل، ومفيش فيها خضوع غير للي يحفظ الود، ويصون العِشرة.
الحياة مش بس شغل وتوفير فلوس، الحياة قيم ومواقف، ومواقفنا هي اللي بتحدد مين إحنا في نظر اللي بنحبهم. وأنا اخترت أكون السند، وأكون المدافع عن كرامة بيتي، مهما كان الثمن، ومهما كانت التضحيات.
تمت. روايات مشيرة محمد

تم نسخ الرابط