وعد الامانه.. مشيره محمد

لمحة نيوز

 

 أمي شالت مسؤولية عمرها ما كانت مهيأة ليها، اشتغلت شغلانتين وتلاتة، ونامت جعانة عشان أنا أشبع، ودمعت في أوضها عشان أنا أكبر وأنا فاكر إن الحياة وردي، وهي كانت بتحارب عشان توفر لي قرش الحلال".
صوته بدأ يتهز شوية، بس كمل: "أنا النهاردة مش واقف هنا عشان أحتفل بتخرجي وبس، أنا واقف هنا عشان أقول إن الشهادة دي، وكل نجاح حققته، وكل خطوة مشيتها، كانت بفضل الله وبفضل سهرها وتعبها. وكمان، أنا هنا عشان أعلن عن مسؤولية جديدة. البنوتة اللي في إيدي دي، هي بنتي، 'حنين'. حنين اتولدت من أسبوعين، وأنا قررت من أول لحظة عرفت فيها بوجودها إنها مش هتعيش نفس الظروف اللي أنا عشتها، وإنها مش هتحتاج تسأل 'فين أبويا؟' لأن أبوها هيكون موجود في كل خطوة، في كل دمعة، وفي كل نجاح".
سكت لحظة، والدموع كانت في عينيه، وكمل: "أنا اتخرجت عشان أكون الراجل اللي أمي تعبت عشان تطلعه، وأنا شايل 'حنين' النهاردة عشان أقسم قدامكم وقدامها، وقبل كل ده قدام أمي، إني هفضل موجود، مهما كانت الظروف، ومهما كان الحمل تقيل. أمي علمتني إن 'الرجولة' مش بس كلمة بتتقال، الرجولة هي إنك 'تفضل' لما الكل يهرب، وإنك 'تشيل' الحمل لما الكل يرميه. الضحك اللي سمعته من شوية، أنا مش زعلان منه، لأنكم ببساطة متفهموش معنى التضحية، بس أنا فخور إني أخدت الشهادة دي وأنا شايل أغلى أمانة في حياتي، عشان لما بنتي تكبر، تعرف إن أبوها كان راجل بجد".
انفجرت القاعة بالتصفيق، تصفيق كان مختلف عن أي تصفيق سمعته في حياتي. مكنش تصفيق مجاملة، كان تصفيق احترام وتقدير للياسين اللي شفته قدامي، اللي مكنش مجرد شاب بيتخرج، ده كان راجل بيتحمل مسؤولية قراره.
بصيت للي حولي، الست اللي كانت بتوشوش جارتي لسه واقفة، بس ملامحها اتغيرت خالص، كانت بتبص لي بنظرة احترام وخجل. مشيت ناحية المسرح ببطء، والناس بتفتح لي الطريق. طلعت السلم، وقفت جنبه. ياسين بص لي، مسح دمعة نزلت على خده، واداني 'حنين'. مسكت بنتي، وكانت أول مرة أشيلها، حسيتها حتة مني ومن ياسين، حسيتها بداية جديدة لحياة مختلفة.
ياسين نزل من على المسرح، والأساتذة والعميد كلهم قاموا وقفوا. الموقف مكنش عادي، بس اللي حصل بعد كدة كان أعظم. ياسين رجع قعد جنبي، ومسك إيدي، وقال لي: "يا أمي، تعبك مضعش، واليوم ده مش نهايتك، ده بداية للي كنتي بتحلمي بيه لي".
في اللحظة دي، حسيت بكل التعب اللي عشته في التمنتاشر سنة اللي فاتوا بيتبخر. مش مهم الفقر، مش مهم الوحدة، مش مهم الضحك اللي ضحكوه عليا. المهم هو الشاب اللي قاعد جنبي ده، اللي لسه مستلم شهادته، وواخد بنته في حضنه، وواخد إيدي بإيد تانية، بيقول لي فيها "أنا معاكي".
الحفلة انتهت، وخرجنا من القاعة، الناس كانت بتبص لنا، بس المرة دي، بصات إعجاب وتقدير. ياسين كان بيمشي بثبات، وكأنه ملك الدنيا كلها. وقفت بره القاعة، بصيت للسما، وشكرت ربنا على النعمة دي. افتكرت طارق، اللي اختفى ومسح نفسه من حياتنا، ولقيت نفسي ببتسم، لأني لو كنت كملت معاه، يمكن مكنتش هشوف الراجل العظيم اللي ياسين بقى عليه.
حنين بدأت تعيط، ياسين بابتسامة وهدوء، شالها تاني وهزها، وهو بيقول لي: "متخافيش يا ست الكل، الأيام اللي جاية أحلى، ومسؤوليتي أنا وحنين دلوقتي هي إننا نخليكي تعيشي ملكة، زي ما عشتينا في عز التعب ملكات".
ساعتها عرفت، إن كل "الخيبات" اللي مريت بيها، كانت مجرد "تجهيز" للحظة دي، لحظة التخرج الحقيقية، مش تخرج الجامعة، تخرج "ياسين" من مرحلة الطفل اللي بيحتاج رعاية، لمرحلة الراجل اللي بيقدم الأمان. ورجعت البيت، والشنطة اللي كانت مكسوفين منها، بقت رمز لأغلى ذكرياتنا، و"وعد الأمانة" اللي ياسين قطعه، كان أحلى كلمة سمعتها في حياتي كلها.
الليلة دي، نمت لأول مرة من سنين طويلة، وأنا مش شايلة هم بكره. لأني عرفت إن اللي رباني على الأصول، ومحملش نفسه ذنب اللي فات، هو اللي هيشيلني في اللي جاي. وياسين، بكلمة واحدة، وبموقف واحد، قدر يغير نظرة المجتمع، ويغير نظرة حياتي لنفسي، ويحط نقطة في آخر سطر في حكايتنا القديمة، عشان يبدأ يكتب معانا حكاية جديدة، عنوانها "الوفاء".
تمت. روايات مشيرة محمد 

تم نسخ الرابط