تصفية حساب.

لمحة نيوز

البيت ده خلاص مبقاش ينفعك."
​أختي "لمياء" قالت الجملة دي قدام الكل، ببرود أعصاب كسر فيا حاجة من جوه. كنا قاعدين في صالة بيت العيلة في طنطا، نفس البيت اللي قضيت فيه 6 سنين كاملة بدفع فواتيره، وديونه، وتصليحاته، وحتى علاج أبويا لما تعب. لمياء كانت قاعدة جنبه جوزها "أحمد" وكأنهم الملاك الجدد للمكان. أمي كانت ماسكة السبحة في إيدها وبتسبح، وأبويا باصص من الشباك بجبن، ومش قادر ينطق بكلمة.
​أنا افتكرتها هِزار بايخ.
— سألتها: "أنتِ بتطرديني من بيتي؟"
​لمياء ضحكت ضحكة صفرا وقالت:
— "مش بيتك يا مريم، وعمره ما كان بيتك. أنتِ ساعدتي عشان كان معاكي فلوس وعارفة تصرفي. إحنا دلوقتي محتاجين استقرار، أنا وأحمد عايزين نعمل أسرة ونجيب عيال."
​"عشان كان معاكي."
الكلمة دي حرقتني أكتر من الإهانة نفسها. أنا كان معايا لأن مكنش قدامي حل تاني! لما أبويا خسر شقى عمره في قرض عشان مشروع فاشل مطلعش للنور، كنت أنا اللي بطحن نفسي ورا بعض في المستشفى اللي شغالة فيها مديرة إدارية. أنا اللي بعت عربيتي، وأنا اللي سبت شقتي الإيجار ورجعت البيت هنا عشان البنك ميعملش حجز عليه ويطردنا كلنا.
​أما لمياء، فكانت بتختفي تماماً وقت الأزمات، ومبتظهرش غير والأكل محطوط على السفرة.
​— قلت بصوت واطي: "أمي.. قوليلي إنك مش موافقة على الكلام ده."
أمي مبصتليش حتى وقالت:
— "يا بنتي، لمياء متجوزة.. وأنتِ طول عمرك بـ 100 راجل وبتعرفي تقفي على رجلك وتتصرفي."
​حسيت إن الأرض بتلف بيا، بس مدمعتش. بصيت على الشقة.. الحيطان اللي لسه دهناها، السفرة الجديدة، الشاشة الكبيرة، الغسالة، الأنتريه، والنجف. كل ده من فلوسي وشقايا، وكل ده هما عايشين فيه ومكتعين وكأن خدمتي ليهم فرض عين عليا!
​أحمد قام وقف واتكلم بخبث ولؤم:
— "إحنا مش عايزين مشاكل يا مريم. قدامك 48 ساعة تلمي فيهم حاجتك. خدي هدومك وحاجتك الشخصية بس."
​هنا فهمت إنهم مش بيطلبوا، دول خلاص قسموا تورتة تضحياتي من ورا ضهري.
أخدت نفس عميق وقلت:
— "تمام."
​لمياء ابتسمت بانتصار، وأمي اتنهدت وكأني وافقت على الصح، وأبويا فضل كاتم حسه.
طلعت أوضتي، قفلت الباب، وطلعت الملف الأسود اللي شايلاه تحت السرير. كان فيه كل فواتير الشراء، التحويلات البنكية، عقود المحلات اللي صلحت البيت، وإيصالات العفش والأجهزة والكهربا والغاز اللي دفعتها. عمر كامل من الإثباتات.
​الليلة دي ماليش نوم.
على الفجر، نزلت ومعايا لفة ملصقات بيضاء وقلم فلوماستر أسود عريض. بدأت بالصالة:
ألصقت على الأنتريه: "بتاعي."
وعلى الشاشة: "بتاعتي."
وعلى الغسالة: "بتاعتي."
وعلى السفرة: "بتاعتي."
​على ما لمياء صحيت، كان البيت قالب على متحف للحقائق الصادمة.
— صرخت فيا: "إيه الجنان اللي بتعمليه ده؟!"
بصيت لها بكل برود:
— "باخد اللي أنتوا قولتوا لي خديه بالظبط.. حاجتي."
​أحمد نزل جري وهو متعصب، وقبل ما ينطق، جرس الباب رن. كانوا تلاتة عمال من شركة نقل موبيليا واقفين مستنيين بره.
وش لمياء جاب ألوان، وأنا فهمت إن الفيلم اللي مفيش حد في العيلة دي يتخيله.. لسه بيبدأ حالاً.

الحوار احتد في الصالة والعمال واقفين على الباب مستنيين إشارة مني. أحمد وشه احمر وعروقه برزت، قرب مني وهو بيحاول يعمل قاضي ورئيس مركب في بيت مش بيته:
— "أنتِ اتجننتي يا مريم؟ إيه العمال دول؟ وإيه الاستهبال اللي كاتباه على العفش ده؟ أنتِ عايزة تفضحينا قدام الجيران؟"
​بصيت له من فوق لتحت ببرود يجلّط، ورفعت القلم الفلوماستر في وشه:
— "صوتك ميعلاش يا أحمد، أنت هنا ضيف لحد يوم الأحد.. ده لو لحقت تقعد فيه أصلاً. الفضيحة هي إنك جاي تقعد في شقة بفلوس أخت مراتك، وبتطردها منها كمان. العمال دول جايين ينقلوا حاجتي، شقايا، فلوسي اللي اتدفعت هنا قرش فوق قرش."

تم نسخ الرابط