الظلم
وجفاء طليقها محمد الذي أغلق الباب في وجهها، وسألت نفسها أيعقل أن يرسل الله لها غريبًا يمد لها يد العون في اللحظة التي تخلى عنها أقرب الناس؟ هزت رأسها بالموافقة دون كلام، وسارت خلفه بخطوات متثاقلة، تاركة خلفها أسوأ ليلة في حياتها.
مرت ثلاثة أشهر. كانت ندى قد استقرت في غرفتها الصغيرة بدار المغتربات، وبدأت تعمل في حياكة الملابس وتطريزها بمساعدة المشرفات اللواتي تعاطفن مع حالتها. كانت بطنها قد بدأت تبرز بشكل واضح، وكلما ركل جنينها، شعرت بقوة غريبة تولد داخلها. لم تعد ندى تلك الفتاة الضعيفة المستسلمة لقرارات أمها.
في صباح أحد الأيام، وبينما كانت تطرز ثوبًا صغيرًا لابنها القادم، سمعت طرقًا على الباب. فتحت لتجد أختها من أبيها، منار، تقف والدموع في عينيها. ارتمت منار في حضن ندى وراحت تبكي بحرقة
سامحيني يا ندى.. بقالي شهور بدور عليكي. سألت عليكي محمد وطردني، ورحت لأمك لقيتها مش سائلة فيكي وبتقول إنك هربتي عشان الفضيحة. أنا عارفة إن بيتي ضيق وجوزي على قد حاله، بس كان مستحيل أسيبك في الشارع لو كنت أعرف.
أجلستها ندى وهدأت من روعها، وابتسامة رضا ترتسم على وجهها
متعيطيش يا منار، أنا مش زعلانة منك. ربنا رحيم بيا أكتر من الكل. هنا لقيت الأمان، ولقيت نفسي، وبعتمد على شغلي ومحدش بيذلني.
قاطعتها منار بمرارة
بس اللي عملته أمك فيكي وفي محمد ذنب كبير أوي يا ندى. تخيلي إن محمد عرف الحقيقة بالصدفة من سنتين لما سمعها بتتكلم مع جارتها وبتتباهى إنها لوت دراعه بتقرير طبي مزور وادعاء باطل عشان تجبره يتجوزك عشان فلوسه؟ الراجل اتجنن، وحس إنه اتدبس في جوازة بالإكراه، وعشان ينتقم من أمك قرر يعيش معاكي كأنك مش موجودة، واتجوز عليا وخلف، ولما شبع من انتقامه رماكي.
تنهدت ندى وقالت بنبرة ناضجة
أنا خلاص مبقتش بلوم محمد يا منار. هو كمان كان ضحية لأمي. أي نعم هو قسي عليا وظلمني لأني مكنتش أعرف بحيلة أمي، وكان المفروض يواجهني بدل ما يكسرني، بس اللي فات مات. أنا دلوقتي كل همي ابني اللي جاي.
وضعت ندى طفلها، وأسمته يوسف. كان طفلاً جميلاً يملأ عليها الدنيا. ورغم الاتفاق، لم يرسل محمد أي مصاريف شهريًا كما وعد، بل غرق في حياته الجديدة متناسيًا وجود طفل يحمل دمه. أما أمها، فقد أصابها المرض لتقعد وحيدة في بيتها، بعد أن قاطعها الجميع بسبب لسانها وقسوة قلبها.
بعد مرور سنة كاملة على الطلاق، كانت ندى قد أسست مشغلًا صغيرًا للملابس بالتعاون مع الدار، وأصبحت تكسب قوت يومها بكرامة. وفي أحد الأيام، تلقت اتصالًا من رقم غريب، لتفاجأ بصوت محمد، لكنه لم يكن صوته الحاد المتكبر، بل كان صوتًا مكسورًا، باكيًا.
ندى.. أنا محتاج أشوفك. أرجوكي وافقي، أنا وافق قدام المشغل بتاعك.
خرجت ندى إليه بخطوات ثابتة، تحمل يوسف بين يديها. وجدته واقفًا، وقد بدت عليه علامات الهم والتعب، واختفت نظرة الغرور من عينيه. عندما رأى الطفل، تحجرت الدموع في عينيه وحاول الاقتراب، لكن ندى تراجعت خطوة إلى الخلف وقالت بجمود
عايز إيه يا محمد؟ إيه اللي جابك بعد سنة كاملة؟
سقطت دموع محمد وقال بنبرة نادمة
أنا اتقرصت يا ندى.. ربنا جابلي حقي من أمك، بس أخد حقك مني أنا كمان. مراتي اللي اتجوزتها عليكي وعشت معاها سنتين، واللي كنت فاكر إنها بتحبني، طلعت شريكة مع أخوها في النصب عليا. أخدوا مني المحلات والفلوس، ولما أفلست رفعت عليا قضايا وخلعتني وحرمتني من ابني. أنا خسرت كل حاجة.. خسرت فلوسي، ومراتي، وكرامتي.
نظرت إليه ندى بصمت، لم تشعر بالشماتة، بل شعرت بأسى على حال ابن آدم عندما يعميه الانتقام. تابع محمد بتوسل
أنا افتكرت كلمتك لما قولتيلي إنك مالكيش ذنب، وافتكرت لما طردتك بالليل وأنتِ حامل. عرفت إن كل اللي بيحصل لي دا ذنب دموعك وظلمي ليكي. أنا جاي أطلب منك السماح يا ندى.. وجاي أرجعك ليا، نعيش سوا ونربي ابننا، ونبدأ من جديد على نظافة.
نظرت ندى إلى طفلها يوسف الذي كان يبتسم ببراءة، ثم نظرت إلى محمد وقالت بنبرة هادئة ولكنها حاسمة كالسيف
أنا مسمحاك يا محمد.. مسمحاك عشان مش عايزة شيل غل في قلبي يمرر حياتي. ربنا جابلي حقي وحق ابني من غير ما أرفع إيدي للسما حتى. بس الرجوع مستحيل.
صدم محمد وقال بلهفة
ليه يا ندى؟ أنا اتغيرت والله، والدرس كان قاسي عليا!
تابعت ندى برأس مرفوع وابتسامة ثقة
الرجوع مستحيل لأن ندى الضعيفة اللي كانت بتترجاك قدام بابك في البرد ماتت من زمان. ندى اللي كانت بتخاف من أمها ومن كلام الناس اتولدت من جديد هنا. الجواز اللي بيتبني على الانتقام والكسر مبيعيشش، وأنا كرامتي اللي دوستم عليها أنت وأمي، بقيت بحميها بروحي. ابنك هتقدر تشوفه وتصرف عليه وتديله حبه، ودا حقك الشرعي مش هحرمك منه، لكن أنا.. أنا خلاص بقيت ملك نفسي وملك ابني وبس.
التفتت ندى ودخلت إلى مشغلها، حاملة طفلها ومستقبلها بين يديها، بينما وقف محمد يراقب طيفها وهي تبتعد، مدركًا بعد فوات الأوان أنه خسر الجوهرة الحقيقية التي لم يعرف قيمتها إلا بعد أن أضاعها برخص التراب. لقنت ندى الجميع درسًا قاسيًا أن الحق قد يتأخر، لكنه يعود دائمًا ليرفع المظلوم ويضع الظالم في مكانه الصحيح.