الدرجه الاولى. مشيره محمد

لمحة نيوز


​"بس.. بس.. اسكتي خالص يخرب بيتك! أنتِ مش عارفة بتتكلمي مع مين؟!"
​المضيفة بصتله باستغراب وقالتله:
​"في إيه يا أستاذ مدحت؟ مالك؟ دي واحدة قاعدة في كرسي مش بتاعها وعاملة حوار!"
​مدحت قام وقف على رجله، وجسمه متخشب، وبص لـ ناعومي ونزل راسه للأرض بكل أدب واحترام، لدرجة إن الست اللي كانت بتصور فيديو نزلت التليفون وفتحت بقها من الدهشة. مدحت قال بنبرة كلها رجاء وخوف:
​"أنا بعتذر جداً يا فندم.. بعتذر بالنيابة عن طاقم الطيارة كله وعن نفسي. أنا مأخدتش بالي من معاليكِ.. المضيفة جديدة وماتعرفش السيستم والصفقة الجديدة."
​ناعومي مابصتلوش أصلاً، فضلت تبطبط على ضهر ابنها اللي بدأ يهدأ ويسكت، وقالت بصوت رخامي بارد:
​"والله؟ والمستشار المالي للمجموعة بقا بيفهم في السيستم أكتر من صاحب الشركة نفسه يا أستاذ مدحت؟ مش أنت برضه مدحت الشناوي، اللي المفروض مراجع المحفظة المالية للشركة اللي بنشتريها؟"
​مدحت ريقه نشف، وحس إن ركبه مش شايلاه:
​"أيوا يا فندم.. أنا هو.. أبوس إيدك يا فندم أنا ماليش ذنب، أنا كنت فاكر.."
​ناعومي قطعت كلامه وهي ترفع عينيها الحادة:
​"كنت فاكر إنها أم وحيدة غلبانة معاها عيل صغير، فسهل تيجوا عليها وتطردوها عشان تجاملوا حد تاني؟ صح؟"
​الفصل الثالث: كشف المستور
​المضيفة بدأت الرؤية توضح قدامها، وحست إن الأرض بتلف بيها. سألت بصوت مرعوب وبيرتعش:
​"هو.. هو في إيه؟ مين دي يا فندم؟"
​مدحت زعق فيها بهمس حاد وهو بيمسح عرقه:
​"دي الدكتورة ناعومي المنشاوي! الممثل القانوني وصاحبة الحق المطلق في توقيع صفقة الاستحواذ اللي هتم بعد ساعتين في بلد الهبوط! يعني بكلمة منها، شركة الطيران دي كلها تفلس، وإحنا كلنا نتشرد في الشارع!"
​الموجة دي من الكلام خلت الصالون كله يقلب همس وزغزغة كلام. الست اللي كانت بتصور قفلت الفيديو فوراً وبدأت تبص للأرض من الكسوف، والركاب اللي كانوا بيبصوا بنظرات اتهام لـ ناعومي، بقوا يبصوا للمضيفة ومدحت بنظرات احتقار.
​في اللحظة دي، ظهر رئيس طاقم الضيافة (البرسر) وهو جاي بيجري من أول الطيارة بعد ما توتر الأجواء وصله، وورا واحد لابس لبس كاجوال غالي جداً وساعة ألماظ، وباين عليه الغنى الفاحش والغرور.. الراجل ده كان هو "الراكب المهم" اللي المضيفة كانت عايزة تفضي له الكرسي!
​الراكب الغني ده زعق بصوت عالي:
​"إيه يا جماعة التأخير ده؟ أنا دافع تذكرة فاريست كلاس عشان ألتزم بمواعيدي، فين الكرسي بتاعي (2A)؟"
​المضيفة بصتله وعينيها مليانة دموع ورعب، والبرسر قرب من ناعومي وبص في الفايل المفتوح يادوب لمحة، وفجأة وشه اتغير تماماً وبقى لونه زي الأموات. البرسر تراجع خطوتين لورا وقدم انحناءة محترمة وقال:
​"يا فندم.. يا فندم إحنا بنعتذر اعتذار رسمي.. حصل خطأ غير مقصود بالمرة في توزيع المقاعد من أرض المطار."
​ناعومي ابتسمت ابتسامة خفيفة كلها سخرية:
​"خطأ؟ لا مفيش خطأ يا كابتن. المضيفة بتاعتك قالتلي بالحرف إن الكرسي ده ممسوح من السيستم وإنها هتنزلني بالأمن قدام ابني.. عشان الباشا اللي واقف وراك يقعد مستريح."
​الراكب الغني اتعصب وقال:
​"جرى إيه يا ست أنتِ؟ أنتِ عارفة أنا مين؟ أنا رجل الأعمال مجدي الهواري، وصاحب أكبر حصة أسهم في الشركة دي!"
​الفصل الرابع: الحساب والعقاب
​هنا ناعومي ضحكت ضحكة عالية رنت في المقصورة كلها، وقفت براحة، وعدلت جاكيتها بكل أناقة، وشالت ابنها على دراعها اليمين، وبالإيد الشمال رفعت الفايل الجلد وفتحته على الآخر قدام الكل.
​"كنت صاحب أكبر حصة أسهم يا باشا.. لحد الساعة 9 الصبح النهاردة."
​مجدي الهواري بربش بعينيه وقال بنبرة قلقانة:
​"يعني إيه الكلام ده؟"
​ناعومي طلعت ورقة من الفايل وقالت بنبرة واثقة تزلزل المحيط:
​"يعني البنك المركزي وافق على عرض الشراء المقدم من مجموعتي، وتم نقل 60% من الأسهم لإدارتي أنا. والورقة دي هي بند الشروط الإضافية اللي المفروض أوقع عليه أول ما الطيارة تلمس الأرض. ومن ضمن الشروط دي: إعادة هيكلة مجلس الإدارة، وفصل أي مستثمر بيسيء لسمعة الشركة أو بيستخدم نفوذه لمصالح شخصية."
​بصت لـ مجدي وقالتله:
​"أنت برة الشركة يا ههوارى بيه.. صفقاتك واتصالاتك اللي كنت بتعملها عشان تطرد ركاب ويقعدوك مكانهم انتهت."
​وبعدين التفتت للمضيفة اللي كانت بتعيط بانهيار:
​"وأنتِ.. من اللحظة دي أنتِ موقوفة عن العمل، وأول ما ننزل هيكون في تحقيق رسمي، ومش هتدخلي مجال الطيران تاني طول ما اسمي مكتوب على طيارة واحدة في الجو."بقلم. مشيره محمد
​المضيفة اترميت تحت رجليها تقريباً:
​"سامحيني يا فندم! والله أنا نفذت الأوامر.. هم قالوا لي إن في راكب مهم جداً ولازم يفضي له مكان، وأنا افتكرتك.."
​"افتكيرتيني إيه؟" ناعومي قاطعتها بقوة: "افتكيرتيني حيطة واطية؟ افتكيرتيني غلبانة فمليش ضهر؟ الراكب المحترم بيحترم الصغير قبل الكبير. الإنسانية مابتتجزأش يا شاطرة.. والكرسي اللي أنتِ شفتيه غالي على واحدة معاها طفل، هو في الحقيقة ملكي وملك ابني."
​الفصل الخامس: الهدوء بعد العاصفة
​البرسر اتدخل وهو بيرتعش:
​"يا فندم، إحنا تحت أمرك.. نؤمر بإلغاء الرحلة للركاب دول وننزلهم حالاً؟"
​ناعومي بصت لابنها اللي رجع ينام تاني في حضنها وقالت برزانة:
​"لا.. إحنا مش هنعطل مصالح الناس التانية بسبب تلاتة معندهمش ريحة الذوق والمسؤولية. الطيارة تطلع في ميعادها.. الأستاذ مجدي والأستاذ مدحت يتفضلوا يقعدوا في آخر صف في الطيارة في الدرجة السياحية، لو في كراسي فاضية.. ولو مفيش، يقعدوا على كراسي الطاقم ورا."
​مجدي الهواري حاول يتكلم:
​"بس أنا.."
​ناعومي بصتله بنظرة خلت الكلمة تقف في زوره:
​"ولا كلمة.. لو سمعت صوت حد فيكم لحد ما نوصل، التوقيع مش هيتأخر.. التوقيع هيتلغي والشركة دي هعلن إفلاسها بكرة الصبح وتخسروا كل مليم.. اتفضلوا من قدامي."
​اتحرك الثلاثة (مجدي ومدحت والمضيفة) وهم زي الفراخ المبلولة، وشهم في الأرض من كتر الخزي والعار، والركاب كلهم قعدوا يسقفوا بحرارة لـ ناعومي على موقفها وقوتها ودرس الأخلاق اللي ادتهولهم.
​رجعت ناعومي قعدت في كرسيها (2A) بكل هدوء، غطت ابنها بالبطانية الصغيرة، وبصت من شباك الطيارة وهي بتبتسم.. الطيارة بدأت تتحرك على الممر استعداداً للإقلاع، والجو جوة بقى في منتهى السلام والهدوء.. الموقف أثبت للكل إن النفوذ والفلوس مبيعملوش بني آدم، وإن الكرامة دايماً بتكسب في النهاية.

 

تمت مشيره محمد 

تم نسخ الرابط