كامله لمشيره محمد

لمحة نيوز

​مشيت بخطوات بطيئة ناحيته، وكنت حاسة إن الوجع والخوف على شريف مديني قوة مكنتش أعرف إنها عندي. وقفت قدامه، وبصيت في عينه المذعورة وقولتله بكل برود: "الرسالة دي مبعوتة من تليفون شريف.. وشريف مبيعرفش اسمي الحقيقي غير هو وأمه.. وأنت من شوية قدام الموظفين قولت عليا 'سارة الموظفة غير الشرعية'.. شريف من خمس سنين مسميني في الشركة باسمي المستعار 'ندى'.. أنت عرفت اسمي الحقيقي منين يا سامح لو مكنتش فاتح تليفونه وبتقرأ شات بينا؟"
​سامح عينه وسعت من الصدمة، ومبَقاش لافي رد يقوه. الغباء بتاعه هو اللي فضحه. الكبرياء والغرور خلوه ينطق باسمي الحقيقي اللي في قسيمة الجواز عشان يذلني قدام الناس، ومنسي إن الاسم ده سر محدش يعرفه هنا.
​نادية الهانم قربت منه، وعينها قايدة نار، وقالت للأمن: "فتشوه.. خدوا تليفونه وكل حاجة معاه."
​الأمن طلع التليفون من جيبه بالقوة، وقبل ما يفتحوه، كانت  روايات مشيره محمد  الشاشة الكبيرة لسه بتعرض تفاصيل الرسالة الصوتية، وظهرت معاها إحداثيات المكان (GPS) اللي اتبعتت منه الرسالة.. المكان كان عبارة عن مخزن قديم للمقاولات تابع للشركة في منطقة معزولة على أطراف أكتوبر!
​الجزء الثالث: مواجهة الحيتان
​نادية مَضيعتش ثانية. بصت لمدير الأمن العام للشركة وقالتله: "تاخد تلات عربيات من رجال الأمن المرخصين، وتطلعوا على الإحداثيات دي فوراً.. وتكلم الشرطة تقابلكم هناك. ابني لو حصله خدش واحد، رقابكم كلكم التمن!"
​التفتت للمديرين اللي قاعدين وهم لسه مذهولين ومش فاهمين حاجة، وقالتلهم بلهجة صارمة: "الاجتماع انتهى. كل اللي اتقال جوة القاعة دي لو طلع برة باب الشركة قبل ما ابني يرجع، هعتبره شريك في الجريمة وهدمره بالقانون.. اتفضلوا."
​الكل خرج وجري زي الفئران، ومبقاش في القاعة الكبيرة غير أنا، والست نادية، وطفلنا يوسف اللي كان نايم على المكتب وجسمه لسه سخن بيقاوم المرض.
​قعدت الست الكبيرة على الكرسي بتاعها كأنها عجزت عشر سنين فجأة. حطت راسها بين إيديها وبدأت تبكي بدموع حقيقية، دموع أم خايفة على ضناها. بصتلي وقالت بصوت مكسور: "سامحيني يا سارة.. أنا كنت عارفة."
​قربت من ابني، شيلته بالراحة وضمتيه لصدري عشان أحميه من برودة التكييف، وقولتلها بمرارة: "عارفة إيه يا هانم؟ عارفة إن ابنك متجوز موظفة غلبانة في شركتك؟ ولا عارفة إن عندك حفيد سايباه عايش في الظلم والسر؟"
​رفعت راسها وبصتلي وعينها حمرا: "عارفة إنه متجوزك وعارفة إنه بيحبك.. شريف لما جه قالي من خمس سنين إنه عايز يتجوزك، أنا رفضت.. مش عشان أنتي وحشة أو فقيرة.. أنا رفضت عشان عيلة الشافعي ليهم أعداء كتير في السوق، جواز شريف العرفي أو السري من واحدة برة الوسط كان ممكن يتفهم إنه نقطة ضعف، وكنت خايفة حد يستغلك عشان يضربه هو أو يضربني أنا.. قولتله لو عايزها، استنى لما نثبت أقدامنا في السوق وأعلن جوازك رسمي.. بس هو خاف عليكي وعلي مشاعرك وعمل اللي في دماغه واتجوزك شرعي عند مأذون بس في السر."
​ضحكت بوجع وقولت: "والنتيجة؟ النتيجة إنه اختفى، وأنا اتهنت في شركتك، وابنك بقاله شهر محبوس ومش عارفين حجر على حجر فوقيه!"روايات مشيره محمد 
​قامت من مكانها وقربت مني.. لأول مرة أشوف الست القوية دي بتمد إيدها بتردد، حطت إيدها على راس يوسف الصغير وقالت بلهفة: "جسمه مولع نار.. لازم ناخده المستشفى فوراً.. أنا هسوق بيكي، ومش هنسيب ابننا."
​في اللحظة دي، حسيت إن الجليد اللي بينا بدأ يدوب، مش عشان أنا سامحتها، بس عشان الخطر اللي محاوطنا بقا أكبر من أي خلافات.
​الجزء الرابع: في المستشفى وعلى أعصابنا
​طول الطريق للمستشفى الاستثماري القريب، كانت نادية بتسوق بأقصى سرعة وهي بتكلم وزير أو مسؤول في التليفون عشان تتابع تحرك الشرطة للمخزن. وأنا ورا، حاضنة يوسف، بمسح على راسه بمنديل مبلل وبدعي ربنا يرجعلي جوزي ويشفيلي ابني.
​أول ما وصلنا، المستشفى كانت مقلوبة.. الطاقم الطبي كله كان مستني عند الباب لأن نادية الشافعي طلبتهم في التليفون. خدوا يوسف مني بسرعة ودخلوه غرفه الطوارئ عشان يعلقوا له محاليل ويدوا له خافض حرارة.
​قعدنا أنا وأمه في الممر برة، دقايق بتمر كأنها سنين. كل ما تليفونها يرن، قلبي يتنفض.
بعد حوالي نص ساعة، تليفونها رن.. فتحت الاسبيكر وإيدها بترتعش. كان صوت مدير الأمن: "يا فندم.. احنا وصلنا مع الشرطة والمباحث.. اقتحمنا المخزن القديم."
​نادية صرخت: "شريف فين؟! شريف عايش؟!"روايات مشيره محمد 
​مدير الأمن رد بنبرة فيها راحة: "عايش يا فندم، الحمد لله.. لقيناه مربوط في أوضة الضواغط الخلفية، كان متبهدل وتعبان جداً ومنعزل عن الأكل والشرب بقاله يومين، بس الحمد لله واعي ونطق.. الإسعاف معاه دلوقتي وهنجيبه على نفس المستشفى اللي أنتوا فيها."
​دموعي نزلت من الفرحة، سجدت في الأرض في وسط الممر وأنا بحمد ربنا وببكي من كل قلبي. نادية قعدت جمبي في الأرض .. لأول مرة الست الكبيرة الموظفة البسيطة. كنا اتنين أمهات، كل واحدة فينا استردت حتة من قلبها.
​قالتلي وهي بتمسح دموعي: "شريف كان صح يا سارة.. أنتي بمليون راجل.. واستحملتي اللي مفيش واحدة تستحمله."
​الجزء الخامس: خروج إلى النور
​بعد ساعتين، كانت المستشفى أشبه بخلية نحل. شريف وصل، ودخلوه أوضة العناية المتوسطة عشان يعملوا له الفحوصات ويعوضوا له الجفاف اللي حصل في جسمه. الشرطة كانت واقفة برة، وسامح السكرتير اعترف بكل حاجة تحت التضييق؛ اعترف إن فيه عضو مجلس إدارة تاني في الشركة (منافس لـ نادية) هو اللي وزّه يسرق الإمضاءات ويخطف شريف عشان يجبروه يوقع على تنازل عن أسهمه بالتهديد. وسامح هو اللي كان بيبعت الرسائل من موبايل شريف كل كام يوم عشان يوهمنا إنه عايش وطبيعي ومضغوط في الشغل.
​دخلت أوضة شريف.. كان باين عليه التعب، دقنه طولت، ووشه خاسس، بس أول ما شافني، عينه لمعت بالدموع.
​حاول يقوم، بس أنا جريت عليه ومنعته: "ارتاح يا حبيبي.. ارتاح أنت وبس."
​مسك إيدي وضغط عليها: "سارة.. أنا أسف.. أنا اللي حطيتك في الموقف ده.. يوسف فين؟"
​في اللحظة دي، الباب اتفتح، ودخلت الممرضة وهي شايلة يوسف بعد ما السخونية نزلت وبدأ يفوق ويبتسم بوشه الطفولي الجميل. ووراها كانت واقفة الست نادية.
​نادية قربت من سرير ابنها، باست راسه وقالتله: "الحمد لله على سلامتك يا سيادة المستشار.. بس حسابك معايا بعدين عشان خبيت عليا حفيد عيلة الشافعي ده كله."
​شريف بص لأمه بصدمة، وبعدين بصلي وابتسم: "يعني خلاص يا أمي؟"
​نادية لفت وبصتلي بكبرياء بس مليان حنان المرة دي، وقالت: "خلاص يا شريف.. الفتره اللي جاية مفيش ضلمة تاني.. سارة هتمسك إدارة قطاع التصميم والديكور كله في المجموعة رسمي، بصفتهاروايات مشيره محمد  مهندسة شاطرة أولاً، وبصفتها زوجة ابني الوحيد وثاني أهم ست في العيلة ثانياً."
​التفتت للمساعد بتاعها اللي كان واقف عند الباب وقالتله بلهجة آمرة: "تجهزلي بيان صحفي يتوزع روايات مشيره محمد  على كل الجرايد والمواقع بكرة الصبح.. إعلان زواج المهندسة سارة من المهندس شريف الشافعي، وتهنئة بمولودهم يوسف الشافعي.. والكل يتعزم على حفلة كبيرة الأسبوع الجاي في الفندق الكبير."
​بصيت لـ شريف وهو ماسك إيدي، والناحية التانية ابني يوسف في بيضحك.. حسيت إن كابوس الخمس سنين انزاح تماماً، وإن الصبر اللي صبرته في الظل، دمعته ومأساته اتحولت لنور شمس جديد مالي حياتنا كلها، وإن الحق دايماً بيرجع لأصحابه، مهما طال وقت الكدب والغموض.

:#روايات_مشيره_محمد 

تم نسخ الرابط