كامله لمشيره محمد

لمحة نيوز

قفلوا عليّا الباب برّه في عز تكتكة طوبة، وما كانش عليّا غير شبشب خفيف وكاردجان خيط. ومن ورا الإزاز، شوفت مرات ابني رافعة كاس العصير وبتضحك وهي بتقول: "يمكن السقعة دي تعلمها مين صاحب البيت ده حقيقي!". ابني سمعني وأنا بترجاه، وبص الناحية التانية وسابني. بعد سبعة وعشرين دقيقة، كنت في المستشفى.. بس هما وفي عز ما كانوا بيحتفلوا بانتصارهم، أنا كنت بدأت أتتبع كل قرش سرقوه مني.
​قفلوا عليّا الباب في وسط عاصفة من عواصف يناير، ووقفوا يتفرجوا عليّا من الشباك وأنا بخبط على الإزاز. مرات ابني رفعت كاس العصير، وابتسمت لؤم وقالت: "يمكن السقعة دي تعلمها في الآخر مين صاحب البيت ده حقيقي!".
​بس البيت ده كان بيتي أنا.
​في سن الاتنين وسبعين، اتعلمت إن الغدر مبيجيش بزعيق وصوت عالي.. الغدر دايماً بيجي بابتسامة، وهو شايل في إيده أكياس الخضار، وبيقولك يا "ماما"، وبيطلب منك تمضي على ورقة ورا التانية بحجة إنها "ورقة روتينية مالهاش لازمة".
​ابني "كريم" ومراته "ميادة" جم عاشوا معايا بعد ما شركته أفلست، ووعدوني إن الموضوع مؤقت.
كريم قالي وقتها: "ست شهور بالظبط يا أمي.. لحد بس ما نقف على رجلينا تاني".
الكلام ده كان من تلات سنين!
​كنت أنا اللي بدفع قسط البيت، الفواتير، العوايد، وحتى مصاريفهم الشخصية. ميادة فرشت البيت كله بعفش غالي جداً كانت بتطلبه بالفيزا بتاعتي، وكريم كان كل شوية يستلف مني فلوس عشان "مشاريع جديدة" مابتجيبش أي حاجة غير حجج وأعذار.
​ورغم كل ده، كنت مستحملاهم عشان هو ابني الوحيد وسندي في الدنيا.
​بس بالتدريج، بطلوا حتى يمثلوا إنهم ممتنين.
ميادة كانت بتنتقد لبسي، طبخي، وحتى مشيتي.
في مرة قالت قدام الضيوف: "إنتي بتمشي وتجري رجليكي في الأرض.. البيت بقى شبه دار المسنين بسبك!".
وكريم ضحك..
الضحكة دي وجعتني أكتر من كلامها بكتير.
​الليلة المشؤومة
​الليلة اللي قفلوا عليّا فيها الباب، كانوا عاملين عزومة عشا لأصحابهم. أنا خرجت للبلكونة عشان أجيب طرد كان واصل دليفري.. وفجأة الباب اترزع ورايا.
​في الأول افتكرت الموضوع غصب عنهم.
خبطت على الإزاز.
ميادة ظهرت من ورا الإزاز.
ناديت عليها: "افتحي الباب يا ميادة".
ميلت راسها وقالت برود: "إنتي قطعتي علينا العشا".
رديت: "الجو تلج برّه، درجة الحرارة تحت الصفر".
​كريم جه وقف جنبها وهو ماسك كاس عصير في إيده.
"يا أمي بلاش فضايح بقى قدام الناس.. ادخلي جوه".
التلج كان بيخبط في وشي، ومكنتش لابسة غير كاردجان خفيف وشبشب بيت.
"عشان خاطري يا كريم.. افتح".
بص الناحية التانية وسابني.
​ميادة ابتسمت وقالت: "اعتذري الأول على الإحراج اللي سببتيهولي النهاردة الصبح".
(الصبح ده، أنا كنت بسألها عن سحب بمبلغ 200 ألف جنيه من محل موبيليات فاخر).
قلتلها: "مش هعتذر عشان بسأل على فلوسي الشقيانة فيها!".
ملامح وشها قلبت وقالت: "خلاص، خليكي برّه بقى".
​أصحابهم كانوا قاعدين في الصالة بيتفرجوا علينا.. ومحدش فيهم اتمطع ولا قام من مكانه!
​نقطة التحول
​قعدت سبعة وعشرين دقيقة كاملة واقفة في البلكونة دي، صوابعي اتخدرت تماماً ونفسي بدأ يضيق. لسه فاكرة لِمبة البلكونة وهي منورة فوق راسي.. كانت مدياني إحساس بالدفء بس للأسف كانت حتة حديدة مالهاش لازمة.
​لحد ما جارتنا، الدكتورة "هناء"، شافتني وسط العاصفة دي.
جِريت عليّا بسرعة، لفتني بالبالطو بتاعها، وطلبت الإسعاف فوراً.
​في المستشفى، الدكتور قالي إنه جالي بداية هبوط حاد في الدورة الدموية وتجمد من البرد.
كريم وصل بعد ساعتين..
ما كانش باين عليه أي علامات كسوف أو ندم.. كان باين عليه إنه "مضايق"!
​قالي بنرفزة: "إنتي خليتي شكلنا زفت قدام الناس!".
بصيت له وأنا تحت البطاطين الحرارية وقلتله: "أنت سبتني في التلج كنت هموت".
ميادة ربعت إيديها وقالت: "بلاش مبالغة بقى.. أهو إنتي عايشة وزي الفل".
​في اللحظة دي بالذات.. في حاجة جوايا هديت تماماً واستقرت.
​هما كانوا فاكرين إني ست كركوبة ووحيدة ومحتاجاهم..
نسيوا أنا كنت بشتغل إيه قبل ما أطلع معاش!
​أنا قضيت 38 سنة من عمري شغالة "رئيسة قطاع الرقابة والتفتيش المالي" في بنك مركزي كبير.
أنا عارفة القرش بيمشي إزاي..
وعارفة النصب والاختلاس بيستخبوا فين..
والأهم.. عارفة بالظبط إزاي أوقفهم وأجيب حق البنك.. وحقي!
​بصيت لابني وابتسمت بضعف وقلتله: "معاك حق.. أنا لسه عايشة".
​ولا واحد فيهم فهم التحذير ده معناه إيه..
​خرجت من المستشفى تاني يوم الصبح. كريم وميادة مكنوش موجودين عشان ياخدوني، بعتولي عربية أوبر.. حتى دي استخسروا ييجوا بنفسهم فيها. ركبت العربية وأنا باصة من الشباك على شوارع القاهرة الزحمة، بس عقلي مكنش في الشارع، عقلي كان شغال زي الآلة الحسبة اللي مابتغلطش في قرش. طوال 38 سنة في البنك، كنت بطلع الاختلاسات من وسط آلاف الدفاتر بلمحة عين، والظاهر إن طيبة الأمومة هي اللي كانت مِعمية عيني عن الحرامية اللي عايشين في بيتي.
​لما دخلت البيت، لقيت الهدوء مغرق المكان. ميادة كانت قاعدة في الصالة بتشرب عصير برتقال وبتتفرج على التلفزيون، ولا كأن في حاجة حصلت. أول ما شافتني، بصتلي بطرف عينها وقالت ببرود: "حمد لله على السلامة يا طنط.. ياريت بس متعمليش دراما تاني وتلمي علينا الجيران، مش ناقصين فضايح".

تم نسخ الرابط