كامله لمشيره محمد

لمحة نيوز

​مردتش عليها. بصيت لها وابتسمت ابتسامة خفيفة، الابتسامة اللي كنت ببتسمها للموظفين الحرامية قبل ما أمضّيهم على قرار الرفد والإحالة للنيابة. دخلت أوضتي وقفتلت الباب ورايا. قعدت على مكتبي القديم، وفتحت اللاب توب بتاعي.. وهنا بدأت المعركة الحقيقية.
​تقصّي الحقائق.. اللعب مع خبيرة
​أنا مكنتش محتاجة أدور كتير، الحرامي الغبي دايماً بيسيب وراه أدلة واضحة لأنه بيفتكر اللي قدامه مغفل. بدأت بكشف حساب الفيزا كارد بتاعتي على الإنترنت وتتبع السحوبات بتاعة آخر تلات سنين.
​"ميادة مكنتش بتشتري لبس وعفش بس.. دي كانت بتسحب مبالغ كاش كبيرة جداً وتدخلها في حساب شخصي تاني باسمها في بنك منافس، والتوكيل العام اللي كنت عملاه لكريم عشان يخلصلي إجراءات الشقة الجديدة.. استخدمه في إنه يعمل لنفسه حق إدارة على محفظتي الاستثمارية!"
​قعدت تلات أيام كاملة، مابنامش غير ساعات قليلة. كنت بجمع برنتات، وبطبع كشوف حسابات، وبكتب تقرير مالي مفصل ومدعم بالأرقام والتواريخ والمستندات.
​المفاجأة الأولى: كريم مكنش بيخسر فلوسه في "مشاريع فاشلة".. كريم كان بياخد الفلوس يحولها لحساب شركة وهمية مسجلة باسم أخو ميادة! يعني كانوا بتهربوا الفلوس رسمي بره علمي.
​المفاجأة التانية: لقيت إنهم مبيعينّي جزء من أرض كنت شرياها زمان في التجمع عن طريق تزوير توقيعي في عقد بيع ابتدائي، مستغلين التوكيل اللي اتلغى قانوناً من سنة بس هما استخدموا عقد قديم متأرخ.
​المبلغ الإجمالي اللي سرقوه مني في التلات سنين دول عدّى الـ 4 مليون جنيه!
شلت الملف كله وفلاشة عليها كل النسخ الإلكترونية، ونزلت روحت لمكتب المحامي بتاعي، أستاذ "مجدي"، وهو صديق عمري وعارف ذكائي في الشغل. أول ما شاف الأوراق، عينه برقت وقال بذهول: "يا فادية.. أنتي طبختي القضية دي طبخة معلمين.. دول يتروقوا جنائي مش مدني بس! تزوير واختلاس وتبديد أموال قُصّر.. قصدي أموال موكّل".
​قلتله بملامح جامدة: "أنا عايزة حقي يا مجدي.. الحنينة ماتت في البلكونة في ليلة يناير دي. دلوقتي مفيش غير فادية بتاعة البنك المركزي".
​كمين على مائدة العشاء
​استنيت لحد يوم الخميس. طلبت من الشغالة تعمل عشا فاخر، وقلت لكريم وميادة إننا لازم نقعد قعدة صلح ونقفل صفحة الخلافات دي. هما طبعاً افتكروا إني خفت من الوحدة وعايزة أراضيهم عشان ميسيبونيش.
​قعدنا على السفرة، وميادة كانت بتتعامل بمنتهى الفوقية، وكريم بياكل وهو مش مهتم.
ميادة رفعت كاس العصير وقالت بنبرة لئيمة: "كويس يا طنط إنك عرفتي إن مفيش حد هينفعك غيرنا، والمسامح كريم.. إحنا نسينا موضوع البلكونة خلاص".
​حطيت الشوكة والسكينة من إيدي، وبصيت لكريم وقلتله بهدوء: "أنت عارف يا كريم.. الشغل في البنك علمني إن الأرقام مابتكدبش.. البشر بس هما اللي بيكدبوا".
كريم رفع راسه واستغرب: "أرقام إيه يا أمي في وسط العشا؟".
​طلعت ملف أسود كبير من جنب الكرسي وحطيته في نص السفرة.. بالظبط جنب طبق ميادة.
ميادة بصت للملف وقالت بسخرية: "إيه ده؟ كراسة شروط لدار مسنين؟".
​قلتلها بابتسامة باردة: "لا يا حبيبتي.. ده حبل المشنقة بس على ورق. افتحي الصفحة تلاتة كده".
​ميادة فتحت الملف بزهق، بس أول ما عينيها وقعت على الأوراق، وشها اتقلب.. الملامح المستفزة اختفت وحل مكانها رعب حقيقي. كريم خطف منها الورق وبدأ يقرا بسرعة، وإيديه بدأت تترعش.
​كريم بلع ريقه وصوته اتهز: "أمي.. إيه.. إيه كشوف الحسابات دي؟ وإيه العقود دي؟".
​قلتله وأنا سانده ضهري على الكرسي ومنتهى الثقة مالي نبرتي: "دي السرقات اللي أنتوا سرقتوها مني. الـ 200 ألف بتوع الموبيليات، والـ مليون ونص اللي اتهربوا لشركة أخو ميادة الوهمية، وعقد أرض التجمع المزور اللي باصم عليه يا كريم بيه بتوقيعي القديم اللي أنا مغيرّاه في البنك من خمس سنين!".
​ميادة وقفت وزعقت بصوت مرعوب: "أنتي بتخرفي بتقولي إيه! دي فلوسنا وإحنا عايشين في بيت واحد!".
​قاطعتها بحدة هزت الصالة: "اقعدي يا بت! صوتك ده ميعلاش في بيتي.. البيت ده اللي كنتي بتسألي مين صاحبه.. البيت ده بتاعي، والفلوس دي فلوسي، والورق اللي في إيد جوزك ده كفيل يوديكم أنتوا الاتنين ليمان طرة بتهمة التزوير في أوراق رسمية والنصب والاستيلاء على أموال الغير".
​الانهيار وبكاء التماسيح
​كريم ساب الورق ووقع على ركبه جنب كرسيّ، مسك إيدي وبدأ يعيط بنحيب: "سامحيني يا أمي.. أنا اتزنقت وميادة هي اللي وزتني.. قالت لي أمك معاها كتير ومش هتحس بالفلوس دي.. أنا ابنك الوحيد يا أمي، هتحبسي ابنك؟".
​بصيت له بقرف، وافتكرت ليلتها لما كنت بترجاه يفتح الباب وهو بيبص الناحية التانية.
قلتله: "وأنا كنت أمك الوحيدة يا كريم وأنا بموت من البرد ورا الإزاز وأنت بتشرب عصيرك وبتتفرج عليّا.. فين ابنك الوحيد ده؟ افتكرته دلوقتي؟".
​ميادة بدأت تعيط هي كمان ووتتكلم بمسكنة: "يا طنط، أبوس إيدك بلاش فضايح، إحنا أسفين.. توبي علينا، إحنا مستعدين نعمل أي حاجة".
​قمت وقفت، وبصيت لهم هما الاتنين وهما منهارين تحت رجليّ. المشهد كان غريب.. من كام يوم بس كانوا هما الأقوياء اللي بيتحكموا في مصيري، ودلوقتي هما زي الفئران اللي وقعت في مصيدة منظمة بدقة.
​قلت لهم ببرود قاتل: "قدامكم بالظبط 48 ساعة.
أولاً: الأرض ترجع باسمي، والفلوس اللي في الحسابات المحولة تترد بالمليم للفيزا بتاعتي.
ثانياً: شنطتكم تتلم ومش عايزة أشوف وشكم في البيت ده تاني.. من هنا ورايح أنتوا مطرودين".
​كريم صرخ: "نروح فين يا أمي في الشارع؟ معندناش مكان!".
​قلتله: "روح في المكان اللي يعجبك.. أجر شقة، نام في عربيتك، اتصرف.. بس البيت ده مش هتعتبوه تاني. ولو الـ 48 ساعة خلصوا والفلوس مرجعتش والبيت مفضيش.. المحامي بتاعي هيقدم البلاغ للنائب العام فوراً.. وساعتها الحكومة هي اللي هتوفرلكم سكن ببلاش لمدة سبع سنين على الأقل".
​الصباح الجديد
​بعد يومين بالظبط، كان البيت فاضي تماماً. كريم وميادة لموا كل حاجتهم ومشوا وهم بيجروا ديول الخيبة، بعد ما مضوا على كل التنازلات وإقرارات رد المبالغ تحت إشراف أستاذ مجدي المحامي.
​وقفت في البلكونة اللي شهدت عذابي من كام يوم، الجو كان لسه ساقعة، بس المرة دي كنت لابسة بالطو فرو تقيل ودافي، وماسكة في إيدي كوباية شاي سخنة. بصيت على الشارع وأنا حاسة براحة ومفيش أي ندم في قلبي.
​الشر والغل ساعات بيفتكروا السكوت ضعف، والطيبة جهل.. بس هما نسيوا إن العاصفة اللي حاولوا يموتوني بيها برّه، هي نفسها اللي صحّت الـ "ديناصور" اللي جوايا، وعلمتني إن الحق مبيضيعش.. طالما صاحبه بيعرف يحسبها صح. 
تمت. مشيره محمد 

تم نسخ الرابط