الخرساء
طليقتي رانيا حبت تعمل فيا مقلب وظبطت مع بنت صماء عشان تخرج معايا، والموضوع مكانش سري.. دي كانت معشمة الحاضر والغايب ومفرجة عليا الناس كلها.
حجزت ترابيزة في أحسن مطعم في البلد، وعزمت نص أصحابنا القدام عشان "بالصدفة" يكونوا هناك ويتفرجوا عليا.. كانت عاوزة عرض كوميدي على حسابي.
كانت مستنية تشوفني ومخي واقف، بتهته، وبحرج نفسي قدام كل الناس اللي كانوا زمان بيقولوا علينا "الكابل المثالي". بقالها سنتين بتلف تقول للناس إني بني آدم بارد، قاسي، ومبعرفش اتواصل مع حد.. وفي الليلة دي، كانت ناوية تثبت كلامها بالدليل العملي.
بس اللي رانيا مكانتش تعرفه، إني قضيت 6 سنين من عمري شغال مترجم لغة إشارة قبل ما أقابلها أصلاً! مكانتش تعرف إن فيه جزء كامل من حياتي ومن شخصيتي هي مكلفتش نفسها يوم تعرفه.
عشان كده، أول ما البنت دخلت من باب المطعم وكل العيون لفت عشان تراقب لحظة رعب وفشلي.. رفعت إيدي وبدأت أتكلم معاها بلغة الإشارة. وفي اللحظة دي، الضحكة اختفت تماماً من على وش طليقتي.
بس مفيش مخلوق في الصالة دي كلها، لا رانيا، ولا أصحابنا، ولا حتى البنت نفسها، كان متوقع اللي هيحصل بعد كده.
أنا اسمي داوود، عندي 34 سنة، ومطلق بقالي 11 شهر بعد جواز دام 7 سنين. الجوازة دي انتهت بجملة واحدة سمعت رانيا بتقولها لأختها في التليفون ومكانتش تعرف إني سامعها. قالت لها: "داوود من نوعية الرجالة اللي عمره ما هيسمح لحد يدخل حياته بجد، بارد ومبتوصلوش مشاعر، الجواز منه زي ما تكوني بتحبي باب مقفول".
ما حاربتش عشانها ولا جادلتها.. يمكن عشان فيه جزء جوايا كان خايف لتكون البنت دي عندها حق.
المهم، روحت المطعم في الليلة دي وأنا لابس جاكيت رمادي بسيط، معنديش أي توقعات، ولا داخل خناقة، مجرد راجل بيحاول يقضي ليلة الجمعة وخلاص. المضيفة ابتسمتلي وخدتني لترابيزة جنب الشباك.
وهنا بقى شوفتهم.. رانيا وأصحابنا القدام، قاعدين على بعد ترابيزتين، عاملين نفسهم بيقروا المنيو، بس عنيهم عليا زي الناس اللي بتراقب عربية على وشك إنها تعمل حادثة ومستنيين اللحظة. بطني وجعتني من المنظر، بس قعدت ومبينتش.
وفجأة الباب اتفتح.. ودخلت هي.
كانت داخلة براحة، وبثقة.. بنت باين عليها جداً إنها مش مستنية حد يوسع لها السطو أو يشفق عليها. بالطو أسود طويل، وعيون هادية بتتحرك في المكان كأنها بتقراه وبتفهمه.:#روايات_مشيره_محمد
عرفت بعد كده إن اسمها كريمة، عندها 31 سنة، فنانة خزف وسيراميك، وفقدت السمع وهي عندها 4 سنين. كانت سايقة عربيتها بقالها 40 دقيقة عشان حد معرفة قالها إنها هتقابل شخص يستاهل وقتها.. مكانتش تعرف إنها معمولة "إيفيه" أو سبوبة لضحك الناس.
أول ما عينيها جت في عيني، وقفت.. ومن غير تفكير، ومن غير ما أمثل، ومن غير ما أحاول أبهر أي بني آدم في الصالة دي، رفعت إيدي الاتنين وبدأت أشاركها الإشارة براحة وبوضوح تام: "أنا مبسوط جداً إني قابلتك، وأتمنى مشوار السواقة مكانش متعب ليكي".
كريمة وقفت مكانها.. عينيها نزلت على إيدي، وبعدين طلعت لوشي تاني. ملامحها اتغيرت.. مكانتش صدمة بالمعنى الحرفي، بس كانت نظرة حد دخل مكان وهو متوقع حاجة، ولقى حاجة تانية خالص مستنياه.
ورايا علطول، سمعت صوت الشوكة بتاعة رانيا وهي بتقع من إيدها وتخبط في الطبق.. بس كريمة؟ كريمة ابتسمت.. ابتسامة صغيرة وحقيقية، مش من نوع الابتسامات اللي بتتعمل عشان تعجب الناس.
ردت عليا بالإشارة وقالت: "المشوار كان تمام.. بس أنت آخر حاجة كنت أتوقعها الليلة دي".
وبس كده.. المقلب باظ والضحك قلب جد من أول دقيقة، والناس الوحيدة اللي مكانتش فاهمة إيه اللي بيحصل هما الشوية اللي رتبوا الحوار ده كله!
رانيا فضلت باصة للترابيزة بتاعتنا وعينيها هتطلع من مكانها. كانت مستنية تشوف مسرحية كوميدية بطلها راجل عاجز مش عارف يتكلم، ولقيت نفسها بتتفرج على فيلم رومانسي هادي هي برة الكادر بتاعه تماماً.
سحبت الكرسي لكريمة وبإشارة سريعة وابتسامة قولت لها: "اتفضلي ارتاحي."
قعدت ونفضت التراب من على البالطو بتاعها، وبصت لي بتمعن، كأنها بتفك شفرة شخصيتي. رفعت إيديها وبدأت تسألني: "أنت اتعلمت لغة الإشارة فين؟ قليل لما بلاقي حد برة مجتمع الصم بيتكلم بالطلاقة دي، ومن غير ما يتردد."
ابتسمت وجمعت صوابعي وبدأت أرد عليها: "أنا اشتغلت مترجم لغة إشارة لمدة ست سنين كاملين.. كنت بشتغل في المحاكم، والهيئات الحكومية، والجامعات. الموضوع بالنسبة لي مش مجرد حركات إيد، ده كان حياتي اليومية قبل ما أدخل في سكة تانية خالص."
عينيها لمعت بوضوح، وحسيت بكتفها اللي كان مشدود أول ما دخلت بدأ يسترخي. سألتني: "وسبتها ليه؟"