الخرساء

لمحة نيوز

​هنا سكتت لحظة. في الخلفية، كنت سامع وشوشة أصحابنا القدام ورانيا اللي صوتها بدأ يعلى من النرفزة وهي بتكلم شريف، صاحبي الانتيم القديم اللي جه يتفرج على خيبتي. مالت عليه وقالت بصوت مسموع بالنسبة لي: "هو إيه اللي بيحصل ده؟ داوود بيعمل إيه بإيديه؟ هو بيستهبل؟"

طبعاً شريف مردش، كان باصص لي ومبرق وهو بيشرب الماية.

​بصيت لكريمة وكملت إشاراتي: "الحياة ساعات بتاخدنا في سكة تانية.. دخلت في مجال إدارة الأعمال والشركات، والمكتب والورق خدوني من الشارع ومن الناس. بس النهاردة اكتشفت إن الواحد عمره ما بيصدي في الحاجة اللي حبها بجد."

​كريمة مالت براسها لقدام، وسندت دقنها على إيدها وبصت لي بنظرة فيها ذكاء شديد وقالت: "عارف.. رانيا، البنت اللي قاعدة وراك دي، هي اللي كلمتني عن طريق وسيط. قالت لي إنك راجل وحيد، وعاوز تقابل حد يفهمك، بس قالت لي إنك بتتحرج تتكلم مع الناس العادية.. مكنتش فاهمة قصدها، بس دلوقتي فهمت."

​حسيت بدمي بيغلي، بس حاولت أحافظ على هدوئي التام. سألتها: "فهمتي إيه؟"

​شاورت بإيدها الشمال وهي بتبتسم بسخرية هادية: "فهمت إنها كانت عاوزة تعمل منك نكتة. كانت فاكرة إنك هتتفاجئ بيا، ومش هتعرف تتواصل، وهتقعد تتهته وتتكسف قدام أصحابها اللي ماليين المكان دول. هي شيفاك 'بارد' ومش بتعرف تعبر، وكنت عاوزة تثبت ده لنفسها وليهم."

​اتنهدت وبصيت في عيون كريمة الحقيقية وقولت: "أنا آسف جداً يا كريمة.. آسف إنك اتسحبتِ في لعبة ملهاش ذنب فيها، وآسف إن مشوارك الـ 40 دقيقة ده كان مبني على نية غبية زي دي."

​كريمة ضحكت بصوت واطي جداً، صوت رقيق بس مسموع، ورفعت إيديها بسرعة وقوة كأنها بتطرد الفكرة: "آسف على إيه؟ أنت بتهزر؟ دي أحسن ليلة عديت عليا من سنين! أنت مش شايف وش طليقتك عامل ازاي؟ دي كأنها شربت ليمون دافي من غير سكر. وبعدين.. أنا مبسوطة إني قابلتك أنت."

​الكلام نزل على قلبي زي الماية الساقعة في عز الحر. رانيا بقالها سنين بتقنعني إني جدار سد، إني بير ملوش قرار ومحدش يقدر يعيش معايا. وفي خمس دقايق، البنت دي قدرت تشوفني وتفهمني من غير ما تسمع صوتي حتى.

​سألنا الويتر على الطلبات، وبدأت أترجم لكريمة المنيو بالإشارة، وهي تختار وأنا أقول للويتر. الويتر نفسه كان مبهور ومحترم جداً وبيتعامل بمنتهى اللطف. طول ما إحنا بنختار، كنت حاسس بنظرات رانيا زي الإبر في ضهري.

​فجأة، وبدون أي مقدمات، سمعت صوت كرسي بيتسحب وخطوات سريعة بتقرب من ترابيزتنا.

كانت رانيا.

وقفت فوق راسنا، ملامحها كانت خليط من الغضب والغل والفضول القاتل. حاولت ترسم على وشها ابتسامة صفرا وقالت بصوت عالي وهي بتبص لكريمة بقرف وبعدين تبص لي: "إيه ده يا داوود؟ منورين! مكنتش أعرف إنك بقيت خبير في لغة الإشارة.. دي مفاجأة لطيفة جداً!"

​أنا مبصتلهاش حتى. فضلت باصص لكريمة اللي ملامحها اتحولت للبرود التام أول ما رانيا وقفت.

بصيت لرانيا ببرود وقولت لها: "رانيا، إحنا بنتكلم دلوقتي.. ممكن تسيبنا لو سمحتِ؟"

​رانيا وشها احمر وقالت بنبرة تريقة: "بتتكلموا؟ بتتكلموا ازاي وبإيه؟ أنت مصدق نفسك يا داوود؟ أنت طول عمرك مبتعرفش تقول كلمتين على بعض تريح بيهم قلب حد.. دلوقتي بقيت رومانسي وبتتكلم بإيديك؟ ولا ده شو معمول مخصوص عشاني؟"

​في اللحظة دي، كريمة رفعت إيديها وبدأت تسألني بلغة إشارة سريعة جداً وحادة: "هي الست دي بتقول إيه؟ وليه بتزعق ومقاطعة خروجنا؟"

​ترجمت لكريمة بالإشارة وقولت لها: "دي رانيا.. طليقتي. بتقول إني مبعرفش اتكلم ولا اعبر عن مشاعري، وبتتساءل إحنا بنتكلم ازاي."

​كريمة بصت لرانيا من فوق لتحت ب ثقة رهيبة، وبعدين وقفت. رانيا رجعت خطوة لورا بخوف كأنها اتفاجأت. كريمة رفعت إيديها الاتنين وبدأت تعمل إشارات قوية، سريعة، وبمنتهى الحسم والجرأة وهي باصة في عين رانيا مباشرة.

​رانيا كانت واقفة مبرقة ومش فاهمة حاجة، وبصت لي وقالت بنرفزة: "بتقول إيه دي يا داوود؟ ترجم! بتقول إيه؟"

​أنا ابتسمت ابتسامة واسعة، ورفعت عيني في عين رانيا وقولت لها بالنص:

"بتقولك.. إن المشكلة عمرها ما كانت فيا أنا يا رانيا. المشكلة إنك كنتِ بتكلميني بلغة تانية خالص.. لغة الأنانية والسيطرة، ولما مكنتش برد عليكي بنفس لغتك، قولتِ عليا بارد ومقفول. بتقولك كمان إن الراجل اللي واقف قدامها ده بيعرف يعبر ويوصل مشاعره بأطراف صوابعه أحسن من أي راجل تاني اتكلمت معاه في حياتها.. وبتطلب منك بكل أدب ترجعي لترابيزتك وتسيبينا نكمل عشا الليلة اللي أنتِ دفعاها بنفسك."

​الصمت حل على الصالة كلها. أصحابنا اللي كانوا قاعدين على الترابيزة التانية سمعوا كل كلمة، وشريف غطى وشه بإيده عشان ميتفضحش من الضحك. رانيا وقفت مكانها كأن حد ضربها بالقلم، وشها جاب ألوان الطيف، وبقت بتبص حواليها تدور على أي حد يسندها أو يرد غيبتها، بس الكل كان باصص في الأرض أو بيتظاهر إنه بياكل.

​من غير ولا كلمة، لفت رانيا ورجعت لترابيزتها، لمت شنطتها وموبايلها، ومشيت من المطعم كله وهي بتجر ذيول الخيبة وراها، وأصحابها حصلوها واحد ورا التاني وكأن الحفلة خلصت بدري.

​بصيت لكريمة اللي قعدت تاني مكانها، وكان وشها هادي ومريح جداً.

شاورت لها بإيدي: "شكراً.. أنتِ أنقذتِ الموقف."

​ردت عليا بإشارة دافية وابتسامتها الجميلة منورة وشها: "أنا منقذتش حاجة.. أنا بس قولت الحقيقة اللي شوفتها في عينيك أول ما دخلت من الباب. الراجل اللي يبص لبنت مابتسمعش بالاحترام والاهتمام ده، ويحاول يكلمها بلغتها عشان م يحسسهاش إنها غريبة.. عمره ما يكون راجل بارد ولا مقفول. طليقتك هي اللي كانت عامية.. مش صماء."

​في الليلة دي، قعدنا في المطعم لحد ما قفل. اتكلمنا في كل حاجة.. عن شغلها في الخزف والطين وازاي بتشكل الأشكال بإيديها، وعن شغلي القديم في الترجمة وازاي كنت بحس بالناس. مكنش فيه أي تكلّف، مكنش فيه لحظة صمت واحدة تقيلة. كل حركة إشارة كانت كلمة، وكل نظرة عين كانت جملة كاملة من مشاعر مكنتش فاكر إنها لسة عايشة جوايا.

​لما خرجنا من المطعم، الهوا البارد خبط في وشنا. وقفت قدام عربيتها ورفعت إيدي وقولت لها: "أتمنى أشوفك تاني يا كريمة.. بجد."

​بصت لي بعيونها الواسعة اللي بتلمع تحت ضوء عواميد الشارع، ورفعت إيديها وبدأت تشاور براحة: "المرة الجاية، أنا اللي هعزمك.. بس في مكان هادي، ومفهوش ناس بتراقبنا. ومفيش داعي تسوق 40 دقيقة.. أنا اللي هجيلك لحد عندك."

​ابتسمت وهزيت راسي بالموافقة. ركبت عربيتها ومشيت، وأنا فضلت واقف في مكاني وسط الشارع البارد، بس لأول مرة من سنين.. كنت حاسس بدفا حقيقي مالي صدري، وحسيت إن الباب المقفول اللي رانيا اتكلمت عنه.. مكنش مقفول عشان مبيفتحش، هو بس كان مستني الإيد الصح اللي تخبط عليه باللغة الصح.

تمت.. مشيره محمد 

تم نسخ الرابط