قضت امى
صدمة الحقيقة في غرف الديوم الشرقية
وقفتُ وسط الغرفة الضيقة في حي الديوم الشرقية، والجسد يرتجف كأن حمى أصابته. كانت جدران الغرفة مقشرة، والمصباح العاري المتدلي من السقف يتأرجح ببطء، ليرسم ظلالًا مشوهة لنا على الحائط. نظرتُ إلى الساعة والسلسلة اللتين وضعهما مصعب أمامي؛ كانت هي ذاتها الساعة الذهبية التي أهداها جدي لأبي، والتي اختفت فجأة قبل ثماني سنوات بحجة أنه أضاعها في السوق.
سألتُه وصوتي يكاد يختنق بريقي:
— "كيف يعني أبوك هو السلمك؟ يا مصعب أنت عارف بتقول في شنو؟ أبوي أنا وأنت؟ الراجل الكان بيبكي عليك في السر؟"
ضحك مصعب ضحكة مريرة، ضحكة لم أرَ فيها أي أثر لأخي القديم الذي كان يملأ البيت مرحًا. جلس على طرف السرير الخشبي المتهالك، ووضع رأسه بين يديه قبل أن يتحدث بصوت خافت:
— "الدموع الكنت بتشوفها دي ما كانت دموع حزن يا عادل... دي كانت دموع الخوف والذنب. أبونا ما كان الراجل الشريف القنعان الكان بيظهر بيه قدام الناس وقدام أمي. أبونا كان شغال مع شبكة كبيرة لتهريب الذهب والعملات، ومستغل منصبه القديم في الجمارك عشان يسهل ليهم الأمور."
تراجعت خطوة إلى الخلف، وصدمتي تزداد عمقًا:
— "وأنت عرفت كيف؟"
تابع مصعب وعيناه تلمعان ببريق غريب:
— "قبل ثماني سنوات، لقيت بالصدفة ورق ومستندات مخبأة في المخزن القديم بحوش البيت. كانت فيها تفاصيل شحنات، وأسماء ناس كبار في البلد، وتواقيع أبوي على استلام مبالغ ضخمة بالدولار. لما واجهته، ما أنكر. في الأول حاول يرشيني ويقول لي إنه بيعمل كده عشان يأمن مستقبلنا، ولما رفضت وهددته إن حأبلغ أو أقول لأمي، وش أبوي تغير... شفت في عيونه نظرة عمري ما تخيلت أشوفها من أب لولده."
ليلة الحادث المزعوم.. كيف بيعت الجثة؟
استرسل مصعب في الحديث، وكأن سدًا من الكتمان قد انفجر داخله بعد سنوات من الصمت:
"بعد المواجهة بيومين، طلب مني أبوي أسافر مدني عشان أخلص ليه شغل تجاري بريء، قال إنه عايز يبدأ صفحة جديدة. ركبت العربة وأنا مصدق إنه اتغير. في نص الطريق، وقفتني عربة بوكس نزلوا منها رجال مسلحين. ما سألوني عن حاجة، ربطوني وعموا عيوني، وأخدوني لمكان مجهول. بعد يومين، جاني أبوي بنفسه في المكان الكنت محبوس فيه."
- المساومة الرهيبة: أبلغ الأب ابنه أن العربة التي كان يقودها تم حرقها بالكامل على طريق مدني السريع، ووُضعت فيها جثة مشوهة لشخص مجهول الهوية مات في مشرحة مستشفى قريب.
- تزوير الأدلة: قام الأب بوضع ساعة يده وسلسلة مصعب والأوراق الثبوتية داخل السيارة المحترقة لضمان قفل القضية تمامًا وتأكيد هوية الجثة.
- التهديد الفعلي: خيّر الأب ابنه بين الاختفاء التام باسم جديد وهوية جديدة، أو تصفيته نهائيًا وتصفية والدته وأخيه عادل (أنا)، بحجة أن "الحيتان الكبيرة" التي يعمل معها لا ترحم، وإذا عرفوا أن الابن يشكل خطرًا، سيمحون العائلة من الوجود.
انحنى مصعب نحوي، وأمسك بكتفي بقوة:
— "أبوي باعني عشان يحمي نفسه ويحمي فلوسه يا عادل. خلاني ميت في نظر أمي الكانت بتموت في اليوم ألف مرة. الراجل السلمني ليهم هو شريك أبوي، وهو الوفّر لي الدكان الصغير في بحري وشغال فيه باسم (أحمد)، وتحت مراقبة عيونهم طول الثماني سنوات دي."
العودة إلى عش الثعابين
خرجتُ من بيت الديوم الشرقية والمدينة تبدو في عيني كأنها غابة من الأشباح. الساعة كانت قد تجاوزت الواحدة صباحًا عندما وصلت إلى بيتنا في أم درمان. فتحت الباب بهدوء، لكنني وجدت الصالة مضاءة بنور خافت.
كان أبي يجلس على مقعده الخشبي، والجريدة مطوية على ركبته، ونظراته الحادة تخترق الظلام.
— "تأخرت شديد يا عادل... والمشاوير بالليل في الظروف دي ما مطمنة." قالها بنبرة هادئة، لكنها كانت تحمل في طياتها تهديدًا مبطنًا.
حاولت السيطرة على نبرة صوتي وقلت:
— "السيارة تعطلت في الطريق يا أبوي، واضطررت أنتظر الميكانيكي."
وقف أبي، واقترب مني ببطء، حتى شعرت بأنفاسه. نظر في عيني طويلاً ثم قال:
— "أنا عشت عمري كله عشان أحمي البيت ده... وأي زول يحاول يهدم الاستقرار الأنا بنيته، حأعتبره عدو، حتى لو كان من دمي ولحمي. أمك تعبانة، وما ناقصة أوهام ولا قصص من نسج الخيال. فاهم يا عادل؟"
في تلك اللحظة، تجمد الدم في عروقي. عرفت أن أبي يعلم... يعلم أنني التقيت بمصعب، أو على الأقل يشك في تحركاتي. التفتُّ نحو غامض الغرفة، فرأيت أمي واقفة عند الباب، وعيناها حمراوان من البكاء كالعادة، تمسك بسبحتها وتهمس بدعوات لم تنقطع منذ ثماني سنوات.
نظرتُ إليها، وشعرت بتمزق داخلي: كيف أقول لها إن ابنك البكر، قطعتك الغالية، على قيد الحياة ويبعد عنها مسافة كبري واحد فقط؟ وكيف أقول لها إن زوجك، الرجل الذي تشاركه الفراش والطعام، هو السجان الذي كتب عليها هذا العذاب؟
خطة المواجهة وسقوط الأقنعة
مرت ثلاثة أيام عشتها في جحيم حقيقي. كنت أراقب أبي وهو يمارس حياته بكل برود، يتناول إفطاره، يقرأ الصحف، ويواسي أمي بنفاق مقزز عندما تبكي. وفي المقابل، كنت أخطط مع مصعب سرًا عبر هواتف مؤقتة لكيفية إنهاء هذه الكارثة.
اتفقنا أن الحل الوحيد هو تهريب أمي أولاً إلى مكان آمن خارج الخرطوم، وتحديدًا إلى بيت أهلها في شندي، قبل أن نواجه أبي بالحقائق والمستندات التي ما زال مصعب يحتفظ بنسخ منها في مكان سري.
وفي ليلة التنفيذ، قمت بحزم حقيبة صغيرة لأمي بحجة أننا سنذهب لزيارة خالتها المريضة في شندي في الصباح الباكر. دخلت إلى غرفتها، وكانت تجلس كالعادة أمام صورة مصعب.
— "أمي... لازم تسمعيني كويس، وبدون ما تعملي أي صوت." همستُ لها وأنا أمسك يدها الباردة.
نظرت إليّ باستغراب: "في شنو يا عادل؟ خضيتني يا ولدي."
— "مصعب ما مات يا أمي."
سقطت السبحة من يدها، واتسعت عيناها بذهول مرعب، وكادت تصرخ لولا أنني وضعت يدي على فمها بسرعة والدموع تنهمر من عيني:
— "والله العظيم ما مات. أنا شفته وتكلمت معاه، وهو عايش وشغال في بحري. الحادث كان كذبة... كذبة صنعها أبوي عشان يخفيه عن الدنيا كلها."
انهارت أمي على السرير، وجسدها ينتفض بالكامل دون صوت، كانت تبكي بكاءً صامتًا ومكتومًا يقطع نياط القلب. لم تسأل كيف أو لماذا، غريزة الأمومة جعلتها تصدق فورًا. مسحت دموعها فجأة وقامت بصلابة لم أعهدها فيها من قبل:
— "سوقني ليه... سوقني لولدي هسة يا عادل."
المواجهة الأخيرة: الحقيقة العارية
حين التفتنا لنتحرك نحو الباب، وجدنا أبي واقفًا عند عتبة الغرفة. ولم يكن وحيدًا؛ كان يمسك في يده مسدسًا قديمًا، وخلفه يقف رجلان ضخما البنية بملابس مدنية، وجوههما خالية من أي تعبير.
— "كنت عارف إنك ما حتسكت يا عادل... طالع لأخوك الكبير، رأسك ناشف وما بتسمع الكلام." قال أبي بصوت أجهد ليجعله هادئًا، لكن يده التي تحمل المسدس كانت ترتجف.
صرخت أمي في وجهه وصوتها يهز أرجاء البيت:
— "يا مجرم! يا غدار! ثماني سنوات وأنا بأكل وبشرب معاك وأنت دافن ولدي حي؟ قتلت قلبي وعمري عشان قروشك الحرام؟"
تغيرت ملامح أبي، وظهرت عليها قسوة مرعبة:
— "أنا ما قتلته! أنا حميته وحميتكم كلكم! لو مصعب اتكلم يومها، كان هسة كلكم تحت التراب! الجماعة الشغال معاهم ما عندهم يما ارحميني. اختفاء مصعب كان الثمن عشان تعيشوا أنتوا!"
في تلك اللحظة الحاسمة، سُمع صوت حركية سريعة خارج البيت، وضوضاء عارمة في الحوش الخارجي. انفتح باب الصالة بقوة، ودخلت قوة من الشرطة والمباحث الجنائية، يقودهم ضابط شاب، وخلفهم كان يقف... مصعب.
تبين أن مصعب، بعد أن وثق بي وعرف أن الأمور وصلت لخط النهاية، قرر ألّا ينتظر. أخذ المستندات التي تدين أبي والشبكة بأكملها، وسلمها لجهة سيادية عليا في الدولة بعيدًا عن اختراق العصابة.
سقط المسدس من يد أبي وهو ينظر إلى مصعب الذي دخل الغرفة وعيناه مثبتتان على أمه فقط. ارتمى مصعب في أحضان أمي، وصارت الغرفة مسرحًا لبكاء هز جدران البيت، بكاء ثماني سنوات من القهر والظلم والاشتياق الذي غسلته دموع اللقاء.
نهاية الخديعة
- مصير الأب: تم اقتياد أبي والرجلين الذين كانوا معه إلى الحراسة، وبدأت التحقيقات التي كشفت عن واحدة من أكبر شبكات الفساد والتهريب، لينتهي به المطاف خلف القضبان ليمضي ما تبقى من عمره منبوذًا من عائلته ومجتمعه.
- العودة إلى الحياة: قمنا بإنزال الصورة المعلقة على الحائط منذ ثماني سنوات، ليس لأن مصعب غاب، بل لأنه عاد ليمشي بيننا حقيقةً لا مجرد ذكرى.
- الشفاء: غادرنا بيت أم درمان الذي تفوح منه رائحة الخيانة، وانتقلنا إلى مكان جديد لنبدأ من جديد، حيث استعادت أمي ضحكتها التي غابت لسنوات، وعرفنا أخيرًا أن الحقيقة، مهما دُفنت عميقًا تحت التراب، لا بد أن تجد طريقها إلى النور.