مدرسة ابنى
المدرّسة دخلت الفصل وهي مخنوقة وقررت تفرّغ غضبها في الأطفال، مكنتش تعرف إن طفل صغير هيأخدها بره الفصل عشان يكشف لها سر يخليها تبكي قدام المدرسة كلها.
تقول المدرّسة: في اليوم ده دخلت المدرسة وقلبي مليان ضيق، كنت مخنوقة من بيتي، ومن جوزي، ومن كلامه القاسي اللي بيطاردني كل يوم الصبح قبل ما أخرج للشغل.
دخلت الفصل وأنا مش شايفه وشوش الأطفال، أنا شايفه همومي وضغوطي وبس، وقفلت الباب ورايا بصباعين كأني بقفله على آخر نقطة صبر جوايا.
بدأت أفتش الواجبات، وكل طفل مكتبش واجبه أخد نصيبه من غضبي، كنت بضرب وأهزأ وأرفع صوتي، وأنا عارفة جوايا إني مش بربيهم، أنا بنتقم من وجعي فيهم.
وفجأة شفت طفل نايم على الديسك، حاطط رأسه بين إيديه، مش بيتحرك ولا حاسس بالدوشة اللي حواليه.
روحتله بعصبية، مسكت ذراعه بجمود وقلت: فين واجبك؟
رفع رأسه بخوف شديد، وعينيه نص مقفولة، وقال بصوت متقطع: نسيته والله يا ميس.
مسمعتوش، ومشوفتش خوفه، مسكت فيه وبدأت أفرغ فيه كل القهر والتعب والذل اللي عايشاه في البيت.
كان الولد بيرجع لورا وبيحاول يحمي وشه، وأنا بصرح فيه وكأني بصرح في حياتي كلها.
وقتها حسيت بإيد صغيرة بتشد طرف فستاني، اتلفت بعصبية ولقيت طفل تاني واقف جنبي وبيشاورلي أنزل لمستوى رأسه.
قلتله بنفاذ صبر: خير؟ في إيه؟
ابتسم الولد ببراءة وقال بهدوء غريب: ممكن نتكلم بره الفصل يا ميس؟ الموضوع مهم.
افتكرته هيشتكي من زميله اللي أخد قلمه ولا قطع كراسته، فخرجت معاه وأنا بتنفس بالعافية من الغضب.
أول ما قفلنا باب الفصل، قال بصوت واطي: يا ميس، بلاش تضربيه النهاردة.
قلت بحدة: وإنت مالك؟
قال الطفل: عشان هو مش نايم من الكسل، هو نايم من الجوع.
اتجمدت في مكاني، بس الولد كمل: هو من إمبارح مأكلش، وأمه في المستشفى، وأبوه سايبه هو وأخوه الصغير لوحدهم.
حسيت إن الدم اتسحب من وشي، وبصيت من شباك الباب على الطفل اللي ضربته، لقيته حاطط رأسه على الديسك تاني كأنه معندوش حيل حتى للعيط.
قال الطفل الصغير: هو كان شايل رغيف عيش في الشنطة لأخوه، بس وقع منه في السكة وكلب أكله، عشان كده دخل الفصل وسكت.
دخلت الفصل وأنا حاسة إن رجليا مش شايلاكي، قربت من الولد بهدوء المرة دي، ولمست كتفه فانتفض بخوف كأنه مستني ضربة جديدة.
قلتله بصوت مكسور: إنت جعان؟
حاول يكذب وقال: لأ يا ميس.
بس دموعه نزلت قبل ما يكمل، فانهرت أنا قبله، وخرجت طلبت من عاملة المدرسة تجيبله أكل فوراً.
أكل الولد وهو بيرتجف، وكل ما ياخد لقمة كان بيبصلي كأنه خايف تكون عقاب جديد.
قعدت قدامه على الأرض وقلتله: أنا آسفة.
الفصل كله سكت، دي كانت أول مرة يشوفوا مدرّسة بتعتذر لطفل.
بعد الحصة روحت للإدارة، وسألت عن ملف الولد، وكانت الصدمة إن المدرسة عارفة إن والدته مريضة وإنه عايش في ظروف صعبة، بس محدش اهتم كفاية.
روحت بعد الشغل للمستشفى، وهناك لقيت أمه على سرير قديم، مريضة وتعبانة جداً، وأول ما عرفت إني مدرّسة ابنها مسكت إيدي وبكت.
قالتلي: ابني دايماً بيقولي إن الميس طيبة، أرجوكي متزعليش منه لو نام في الفصل، هو بيسهر يرعى أخوه الصغير.
الجملة دي كانت زي السكاكين في قلبي، لأن الطفل اللي قال لأمه إني طيبة، كنت أنا نفس المدرّسة اللي وجعته الصبح.
قررت من اليوم ده أجمع له ولأخوه أكل وهدوم، وأتابع حالتهم من غير ما أحسس الولد إنها صدقة قدام زمايله.
بس المفاجأة مخلصتش هنا، في اليوم اللي بعده جه الطفل اللي شدني من الفستان، واداني ورقة صغيرة كتبها الولد الجعان.
فتحتها وأنا إيدي بترعش، لقيت مكتوب فيها: "يا ميس، أنا مش زعلان منك، أنا عارف إن الكبار ساعات بيبقوا موجوعين من جوه."
بكيت قدام الفصل كله، وحسيت إن الطفل اللي ضربته كان أرحم مني وأنا كبيرة.
ومن يومها اتغيرت طريقتي مع الطلاب، بقيت بأسأل قبل ما أعاقب، وبأفهم قبل ما أصرخ، وبشوف ورا كل إهمال حكاية ممكن محدش يكون عارفها.
بس الصدمة الأكبر جت بعد أسبوع، لما دخل جوزي المدرسة فجأة يطلبني، فرأى الطفل نفسه قاعد في مكتبي بياكل.
اتجمد جوزي وقال بصوت بيرتعش: الولد ده هنا ليه؟
بصيتله بدهشة وسألته: تعرفه؟
مردش، بس الولد رفع رأسه وقال بخوف: ده الراجل اللي كان بيجي عند ماما في المستشفى وبيقولها متقوليش لحد!
وفي اللحظة دي فهمت إن وجعي في بيتي وحكاية الولد ده مكنوش بعاد عن بعض زي ما كنت فاكرة... واللغز كله اتكشف قدامي.
وقفت في مكاني كأني اتمسمرت في الأرض، الصدمة كانت أكبر من إن عقلي يستوعبها في ثواني. بصيت لجوزي اللي كان وشه أصفر زي الليمونة، وعينيه رايحة جاية بيني وبين الطفل وهو مش قادر ينطق حرف واحد. العرق كان نازل من جبهته بغزارة رغم إن الجو مكنش حر، وإيديه اللي كان ماسك بيها مفاتيح عربيته كانت بترتعش بوضوح.
سكتّ لحظة، الصوت اتخنق في زوري، وبصيت للطفل الصغير اللي كان ماسك سندوتش الهامبورجر بإيديه الاتنين ورجليه المشفوقة متدلدلة من على الكرسي. عينين الولد كانت مليانة خوف ورعب، بيبص لجوزي كأنه شاف عفريت، وبيحاول يستخبى ورا ضهر الكرسي الضخم اللي قاعد عليه في مكتبي.
قربت من الولد خطوة واحدة، ونزلت على ركبتي قدامه، وحطيت إيدي على إيده اللي بترتعش، وقلتله بصوت هادي وبحاول أتحكم في دقات قلبي اللي كانت زي الطبول:
"قولي يا حبيبي.. متخافش محدش هيقدر يؤذيك ولا يلمسك.. عمو ده كان بيجي عند ماما ليه؟ وكان بيقولها إيه تاني؟"
الولد بص لجوزي بخوف، وجوزي أخيرًا نطق، بس صوته كان طالع مبشورش ومخنوق:
"سعاد! إنتي بتصدقي كلام عيال؟ ده عيل مجذوب ومش فاهم هو بيقول إيه! إنتي هتاخدي كلام عيال صغيرة وتعملي بيه حكاية؟ يلا بينا نمشي من هنا حالاً!"
زعق وهو بيقرب عشان يمسك إيدي ويشدني بره المكتب، بس أنا قمت وقفت زي الرمح، ورفعت إيدي في وشه بكل قوة وقسوة مكنتش أعرف إنها جوايا، وقلت بصوت واطي بس يرعب:
"لو مديت إيدك عليا أو قربت خطوة كمان، هصرخ وألم عليك المدرسة كلها! اقف مكانك وما تنطقش بنص كلمة لحد ما أسمع الولد!"
اتسمر جوزي مكانه، ووشه اتغير تمامًا، بقى فيه مزيج من الخوف والارتباك والتعالي المزيف اللي دايماً بيحاول يداري بيه ضعفه.
لتفت للولد تاني ورجعت نبرة صوتي حنينة:
"كمل يا حبيبي.. متخافش خالص، أنا معاك وأستاذة سعاد مش هتاذيك ولا هتخلي حد يلمسك. كان بيجي لماما ليه؟"
الولد بلع ريقه وصوته كان بيترعش وهو بيشاور على جوزي:
"كان بيجي لماما الأوضة بالليل في المستشفى.. أنا كنت بكون نايم تحت السرير عشان محدش يطردني.. سمعته بيزعقلها وبيقولها: 'انتي لازم تتنازلي عن القضية وعن الشقة، وإلا والله ما هتشوفي عيالك تاني وهخليكم تموتوا من الجوع'.. وماما كانت بتبكي وتقول له: 'حرام عليك يا حلمي، دي شقة أبايا ورثي، وعيالي بيموتوا من الجوع'.. بس هو ضربها قلم على وشها ورما لها فلوس قليلة على السرير وقالها: 'ده اللي عندي، ولو فتحتي بؤك أو حد عرف إني أخيها من الأب هحبسك!'.."
الكلام نزل عليا زي الصاعقة!
"أخيها من الأب؟!"
الكلمة فضلت ترن في وداني، وصدى الصوت كان بيلف في دماغي زي الدوامة. بصيت لجوزي «حلمي» وأنا مش مصدقة اللي بسمعه. حلمي اللي كان دايماً يصحيني كل يوم الصبح بكلام قاسي، اللي حسسني طول سنتين جواز إني ولا حاجة، اللي كان بيعيشني في نكد وذل ويقولي 'إنتي نكذية ومفكيش ميزة'، طلع بيمارس نفس الذل والقسوة مع أخته المريضة المترمية في المستشفى!
حلمي اللي طول عمره بيستعرض عليا إنه رجل أعمال وناجح وعنده عقارات ومحلات، اتضح إن ثروته دي كلها كانت مبنية على حق أخته من الأب اللي حرمها منه! نهب ورثها ورمى عيالها يجوعوا ويشحتوا الرغيف، وكان بيجي المستشفى يهددها وهي بين الحياة والموت عشان تتنازل عن الشقة اللي حيلتها!