امى رفضت

لمحة نيوز


— ما هذا يا طارق؟! اتكلم! أمي كانت زوجة أبيك؟! إذن كيف تزوجتك أنت؟! هل أنا أختك؟! هل تزوجت أخي؟!
​صرخ طارق باشتعال وهو يرفع يديه في الهواء، وكان وجهه قد شحب تماماً ولونه شُبيه بلون الرماد:
— لا! اقسم لكِ بالله العظيم لا! أنتِ لستِ أختي! اهدئي ودعيني أشرح لكِ!
​ردت حماتي من عند الباب بصوت يرتجف، وهي تطالع الشقة بخرع كأنما تتوقع أن تخرج لها أشباح من بين الجدران:
— هي ليست أختك يا ندى... أنتِ ابنة رجل آخر تماماً. لكن الشقة... الشقة لم تكن يوماً لأبي طارق وحده.
​التفتُّ إليها بعينين جاحظتين، وابنتي الصغيرة تقف بجواري ممسكة بطرف ثوبي، مرعوبة من الصراخ المفاجئ. طالبتُها بنبرة تحترق:
— اجلسي يا خالتي! اجلسي ولا تتحركي خطوة واحدة قبل أن تفهميني كل كلمة! ماذا تعنين بأن الشقة لم تكن له وحده؟ وماذا تفعل صورة أمي بفستان الزفاف مع عمي الراحل؟!
​تراجعت حماتي وجلست على حرف الكنبة بحذر، وكأن الكرسي يلتقط أنفاسها. جثت على ركبتيها تقريباً وهي تبكي بصوت خافت، بينما جلس طارق على الأرض يدفن رأسه بين كفيه.
​بدأت حماتي تتحدث، وصوتها يتهدج كأنه يخرج من قاع بئر قديم:
— منذ ثلاثين سنة... قبل أن تلتقي أمكِ بأبيكِ الراحل، كانت مخطوبة لـ "حسين"... والد طارق. كانا يحبان بعضهما بجنون. اشتركا معاً في شراء هذه الشقة، دفعا ثمنها مناصفة. كانت هذه الغرفة—غرفة ابنتكِ الآن—هي الغرفة التي اختارتها أمكِ لتكون غرفة نومهما، ودهنت جدرانها بنفسها.
​بلعتُ ريقي بصعوبة، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدي، وأنا أتذكر كلمات أمي: "لأن هناك أبواباً لو دخلناها مجدداً... أشياء كثيرة مدفونة تستيقظ."
​أكملت حماتي وهي تنظر إلى الأرض بخزي:
— أعدا العقد باسميها... وشريا الأثاث. وفي ليلة الزفاف، كتبا الكتاب بالأسفل وجاءا إلى هنا، صعدا الشقة مع أهلهما لالتقاط الصور التذكارية—وهي الصورة التي بين يديكِ الآن. ولكن... لم يكتمل الزفاف.
​سألتُها بصوت مخنوق:
— لماذا؟ ماذا حدث في تلك الليلة؟!
​رفعت حماتي رأسها ونظرت إليّ بعينين مليئتين بالندم:
— في نفس الليلة، وبعد أن غادر الضيوف وقبل أن يدخلا الشقة بمفردهما، نشب شجار حاد بين حسين وأمكِ. اكتشفت أمكِ بالصدفة أوراقاً في جيب بدلة زفافه... اكتشفت أنه كان متزوجاً علي السر من امرأة أخرى—التي هي أنا!
​حبستُ أنفاسي. طارق رفع رأسه ونظر إليّ بعينين تتوسلان الغفران.
​تابعت حماتي:
— أنا كنت زوجته السرية، وكنت حاملاً في طارق! عندما واجهته أمكِ في هذه الصالة بالذات، اعترف لها وقال إن أهله أجبدوه عليّ، لكنه يحبها هي. أمكِ لم تتحمل الخيانة والخدعة. سحبت مفاتيحها، وقالت له جملتها الشهيرة: "هذا البيت حرام عليّ وعلى ذريتي إلى يوم الدين"، وخرجت في منتصف الليل بالفستان الأبيض، ولم ترجع أبداً.
​سألتُ بخاطر مكسور:
— والعقد؟ والعنوان؟
أجاب طارق هذه المرة، بصوت متهدج نادم:
— أمكِ تنازلت عن الشقة بحكم القضاء بعد سنوات من القضايا، أو هكذا ظن الجميع، لكن أبي احتفظ بالعقد الأصلي بأسماء كليكما ولم يسجله نهائياً حتى لا يطالبها بأي مستحقات، وزوّر أوراقاً تدعي أن الشقة ملكه وحده ليبيعها أو يورثها. أمكِ تركت الشقة بحسرتها ولم تأخذ قرشاً واحداً.
​التفتُّ إلى حماتي وقلت لها والدموع تسيل على خدّي:
— وأنتِ؟ كيف قبلتِ أن تعيشي في بيت بُني على قهر امرأة أخرى؟
​غطت حماتي وجهها بكفيها وبكت بحرقة:
— أنا لم أكن أعلم بشيء وقتها يا ابنتي! عندما تزوجني حسين رسمياً وأتاني إلى هنا، قال لي إن الشقة ملكه وإن خطيبته القديمة تركته لظروف خاصة. لم أعرف الحقيقة إلا بعد سنوات طويلة، قبل وفاة حسين بفترة قصيرة، عندما وجدته يحتفظ بذاك الصندوق الخشبي تحت بلاطة الغرفة! كان يتفقد صورة أمكِ كل ليلة ويعيش في عذاب الذنب.
​نظرتُ إلى الصندوق الخشبي الملقى على الأرض. انحنيتُ ببطء والتقطتُ باقي الأوراق التي كانت بداخله.
​كان هناك دفتر مذكرات صغير بخط يد أمي. فتحته بآيادٍ ترتجف. كان المؤرخ في أول صفحة يعود لليلة زفافها الملغاة:
​"اليوم خرجتُ من البيت الذي بنيته بحبات قلبي. تركتُ فيه أحلامي، وشبابي، ونصف عمري. أقسمتُ ألا أطأه بقدمي ثانية. حسبي الله ونعم الوكيل فيمن ظلمني وخادعني. لو سكنت ابنتي هنا يوماً... إذن هم كذبوا عليها كما كذبوا عليّ، واستغفلوا طيبتها كما استغفلوني."
​كانت الكلمات تقطع قلبي كأصابع من نار. أمي... أمي التي كانت تبتسم لي دائماً، وتتحجج بأنها "غير مرتاحة" في بيتي، كانت في الحقيقة تطأ بأقدامها جرحاً ينزف منذ عقود! كلما كانت تنظر إلى بنايتي من البعيد، كانت ترى أحلامها الصريعة، وفستان زفافها الملطخ بالخديعة!
​التفتُّ إلى طارق وسألته بجمود مرعب:
— وأنت يا طارق؟ هل كنت تعلم؟
​وقف طارق واقترب مني محاولاً الإمساك بيدي، لكنني تراجعت خطوة إلى الخلف:
— ندى... أقسم لكِ، عندما خطبتكِ، لم أكن أعلم شيئاً عن قصتهما! والدتي فقط هي من عرفت اسم أمكِ وسألت أبي قبل وفاته وتأكدت. أبي اعتراف لي وهو على فراش الموت، قال لي: "أنا ظلمت صفاء... وشقتها هي التي ستتزوج فيها ابنتها من ابنك." أبي ظن أنه بذلك يكفّر عن ذنبه! ظن أنه عندما يزوجني لكِ ويجعلنا نعيش في هذه الشقة، فإنه يعيد الحق لأصحابه!
​استدرتُ نادرةً وجهي عنه وقلت باستنكار وعيني تدوران في أرجاء الصالة:
— يكفّر عن ذنبه؟! يزوجني ابن الرجل الذي كسر قلب أمي، ويجعلني أعيش فوق الأرض التي رُفعت عليها دعوات أمي بالمظلمة؟! هل هذا تكفير أم استكمال للمأساة؟!
​صرخت حماتي وهي تبكي:
— والله يا ندى، أنا ترجيت زوجي أن يحرق العقد ويمسح هذه الشقة من ذاكرتنا، لكنه رفض وقال إن الشقة حق لندى وطارق، وأن روح صفاء ستسامحه إذا سكنت ابنتها البيت! وأمكِ عندما علمت أنكِ ستتزوجين طارق وستسكنين هذه الشقة، لم ترد أن تخرب بيتكِ أو تفضح السر، ففضلت أن تتحمل العذاب في صمت، وأن تأتي لزيارتك في كل مكان إلا هذا البيت الذي شهد خيانتها!
​أتاني صوت أمي في أذني كأنه صدى يتردد عبر السنين:
"لأن هناك أبواباً لو دخلناها مجدداً... أشياء كثيرة مدفونة تستيقظ."
​الآن فقط فهمت!
أمي لم تكن تكره بيتي، ولا كانت غاضبة مني... أمي كانت تدفع ثمن صمتها حتى لا تهدم بيتي. كانت ترفض أن تعبر هذا الباب لأن كل زاوية في هذه الشقة كانت تصرخ باسم الخيانة التي تعرضت لها. حتى الغرفة التي نامت فيها ابنتي... كانت الغرفة التي حلمت أمي يوماً أن تنجب فيها أطفالها!
​مسحتُ دموعي بقوة، ونظرتُ إلى زوجي وإلى حماتي بصلابة لم أعهدها في نفسي من قبل.
​قلت لطارق بصوت هادئ ولكنه أشد قسوة من الصراخ:
— الشقة هذه... ليست ملكك، ولا ملك أبيك. العقد الأخير والأوراق تثبت أن لأمي نصفها الشرعي والمادي الذي قهرها أبوكِ فيه.
​قال طارق بلهفة:
— الشقة كلها لكِ يا ندى! أكتبيها باسمكِ اليوم إن أردتِ! والله لا أريد منها شيئاً!
​رددتُ عليه بابتسامة مريرة:
— لا أريدها. لا أريد حجر زاوية واحد في بيتٍ بُني على قهر أمي ودموعها. ولا يمكنني أن أنام ليلة واحدة أخرى في شقة كانت أمي تحترق كلما تذكرتها.
​التفتُّ إلى ابنتي، أمسكتُ يدها الصغيرة ورفعتُ الصندوق الخشبي ومذكرات أمي، ونظرتُ إلى طارق وقاموس الحيرة يلتف حول عنقه:
— أمامك خياران يا طارق... إما أن تبيع هذه الشقة فوراً، وتتبرع بقيمتها كاملة لجمعية خيرية بنية الصدقة الجارية عن روح أمي وأبيك ليغفر الله لهما... وننتقل للعيش في أي مكان آخر بعيداً عن هذا الكابوس... وإما أن تتركني أرحل مع ابنتي، فلن أسمح لنفسي أن أكون جزءاً من سلالة الظلم التي كتمت أنفاس أمي لثلاثين سنة.
​ساد الصمت في الشقة، صمت ثقيل كصمت المقابر.
نظر طارق إلى والدته، ثم النظر إلى الصندوق الخشبي في يدي، واغرورقت عيناه بالدموع. خطى خطوة نحوي، وقال بصوت خافت وخاضع:
— سنبيعها غداً يا ندى... ونخرج منها للأبد.
​نظرتُ إلى باب الشقة المفتوح.
تخيلتُ أمي واقفة هناك، بفستانها الأبيض القديم، تنظر إليّ بابتسامة راضية وأخيراً استراحت روحها. ابتسمتُ بين دموعي وقلتُ في سري:
"حقكِ وصل يا أمي... والأبواب التي أغلقتِها في وجه الظلم، لن نفتحها بعد اليوم أبداً."ج

 

تم نسخ الرابط