الثانويه العامه

لمحة نيوز

— "حضرتك.. أنا لا أطلب حظوة ولا أطلب درجات رأفة. أنا أطلب أن أرى كراسة إجابتي بالباركود الخاص بي. إن كان هذا خط يدي وهذه إجابتي، سأصمت وأرضى بقضاء الله، ولكن إن كانت الكراسة ليست لي، فمن حقي أن أعرف أين ذهب جهدي!"

​تطلع الموظف في وجه فاطمة، ورأى في عينيها ثباتًا يختلف عن بؤس الآخرين، فرقق نبرته قليلاً وقال:

— "يا ابنتي.. الأمر ليس بيدي هنا، التظلمات الورقية تُراجع في كنترول القطاع الرئيسي. استكملي الأوراق سريعا وسأرفع للجنة طلب استعجال لمراجعة الباركود بنفسي."

​الفصل الثالث: في قلب الكنترول.. اللحظة الحرجِة

​مرت الأيام الخمسة التالية وكأنها دهرٌ كامل. لم يذق أحد منا طعم النوم ولا الأكل. وفي الصباح الموعود، توجهنا إلى مقر الكنترول الرئيسي بالقطاع. كانت الإجراءات شديدة الصرامة؛ بوابات أمنية، تفتيش دقيق، ومظاهر جديّة تثير الرعب في النفوس.

​دخلنا إلى القاعة الكبرى المخصصة للاطلاع على أوراق الإجابة الضوئية (البابل شيت) وكراسات المقالي. جُهزت الطاولات، وجلس الموجهون الأوائل لمتابعة الطلاب.

​قادنا أحد المشرفين إلى طاولة أقصى القاعة، ووضع أمامنا ملفًا مغلقًا يحمل رقم جلوس فاطمة.

​قال المشرف ببرود:

— "تفضلي يا طالبة.. هذه هي صور أوراق إجابتك المشفّرة. افحصي الباركود والخط، وأشيري إلى الأسئلة التي تعتقدين أن بها خطأ في التصحيح."

​فتحت فاطمة الملف برعشة في يدها. وما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى شهقت شهقة هزت القاعة بأكملها، وتراجعت إلى الخلف وهي تشير إلى الورقة بذهول وذعر:

— "هذا... هذا ليس خطي! وهذه ليست إجابتي!! يا بابا الحقني!!"

​اندفع صابر كالأسد ونظر إلى الورقة. كانت الإجابات المكتوبة بخط اليد في الأسئلة المقالية ركيكة، مليئة بالأخطاء الإملائية الشنيعة، والخط ذو طبيعة عريضة ومائلة، بينما فاطمة تمتاز بخط رقاعي منتظم وجميل للغاية كالرسم!

​صرح صابر بصوت هادر زلزل أركان القاعة:

— "أين رئيس الكنترول؟! أحضروا لي رئيس القطاع فورًا! هذه ليست ورقة ابنتي! هذا اعتداء صريح وزور وتدليس!"

​تجمع الموظفون والمشرفون حولنا بسرعة، وحاول الأمن تهدئة صابر، لكنه كان كالمجنون:

— "لن أهدأ! ابنتي خطها معروف وشكليًا هذه الكراسة لطالب لا يعرف حتى كيف يكتب لغة عربية سليمة! كيف يوضع اسم ابنتي ورقم جلوسها على هذه المهزلة؟!"

​حضر رئيس الكنترول، رجل في الخمسينيات من عمره، يرتدي نظارة طبية ويتسم بالوقار. قال بنبرة هادئة محاولًا امتصاص الغضب:

— "اهدأ يا أستاذ، نحن هنا لنقيم العدل. تعالوا معي إلى أوفيس الإدارة بعيدًا عن الطلاب."

​الفصل الرابع: خيط الحقيقة والرمز المفقود

​في مكتب رئيس الكنترول، ساد صمت رهيب. جلس صابر وفاطمة وأنا أمام المكتب، بينما كان رئيس الكنترول يفحص الأوراق بنفسه، ويقارن بين خط فاطمة في أوراق السنوات السابقة المقترنة بالملف، وبين الورقة المرفقة في التظلم.

​قال رئيس الكنترول وهو يعقد حاجبيه باستغراب:

— "فعلاً.. الفرق في الخط واضح جدًا لا يحتاج لخبير خطوط.. لكن كيف حدث هذا؟ الباركود المطبوع على الورقة يطابق رقم الجلوس!"

​سأله صابر بذكاء المعلم الخبرة:

— "أستاذنا الفاضل.. الباركود يُطبع أوتوماتيكيًا، ولكن أين الرقم السري (الاستيكر) الذي يُلصق فوق بيانات الطالب في لجنة السير وقبل التجميع؟ ألا يمكن أن يكون قد حدث تبديل في أوراق الغلاف أثناء عملية "التوريق" أو قطع السري؟"

​تغير وجه رئيس الكنترول، واستدعى فورًا مسؤول الحاسب الآلي وشؤون الطلاب بالكنترول، وأمرهم باستحضار أوراق المادة الأصلية (الفيزياء) المتروكة في المخازن المغلقة، وليس الصور الضوئية، لمطابقة رقم السري الورقي الأصلي.

​مرت ساعة كاملة ونحن ننتظر في ذلك المكتب، كانت كل دقيقة تمضي كأنها سنة. كانت فاطمة تطبق على يدي وتدعو بصوت خفيض: "يا رب.. أنت الحق ووعدك الحق، رد إليّ حقي ولا تشمت بي أحداً."

​وفجأة، فتح الموظف الباب ودخل وهو يحمل أوراقًا أخرى، ووجهه يفيض بالحيرة والارتباك. قال لرئيس الكنترول بصوت خافض:

— "يا فندم.. حدث خطأ جسيم في لجنة السير بالمدارس التابعة لإحدى القرى.. أثناء تجميع كراسات الإجابة وترقيم السري، حدث تلخبط في ترتيب كراستين متتاليتين بسبب تشابه اسم فاطمة مع طالبة أخرى في نفس اللجنة تصادف أن اسمها "فاطمة أحمد..." وكان مستوى الطالبة الأخرى ضعيفًا جدًا، وتم دمج الغلافين بطريق الخطأ أثناء عملية التجليد والسري!"

​الفصل الخامس: انقشاع الغمة وانتصار الحق

​عندما سمع رئيس الكنترول ذلك، ضرب بيده على الطاولة بغضب شديد:

— "استهتار يُدمر حياة الطلاب! كيف يمر خطأ كهذا دون مراجعة الشيت الورقي الأولي؟!"

​ثم التفت إلينا، وبدت على وجهه ابتسامة ارتياح واعتذار شديدين، وقال لفاطمة:

— "مبروك يا فاطمة.. أوراقك الأصلية تم الوصول إليها وفحصها الآن من قبل اللجنة الفنية في المخزن. كراستك الحقيقية كانت تحمل إجابات نموذجية متكاملة."

​سقطتُ على الأرض ساجدة لله عز وجل، وبكيت بحرقة لكنها هذه المرة كانت دموع الفرح والارتياح. ارتمت فاطمة في أحضان صابر وهي تنتحب بصوت هز القلوب، بينما بكى صابر بحرارة وهو يرفع يديه إلى السماء ويقول:

— "الحمد لله.. الحمد لله الذي لم يضيع أجر من أحسن عملاً.. الشرف لا يُسرق والحق لا يموت!"

​وبعد اتخاذ الإجراءات الرسمية العاجلة، وإعادة رصد الدرجات الحقيقية لفاطمة بحضور رئيس القطاع:

حصلت فاطمة صابر على مجموع 97.5%، لتلتحق بالكلية التي طالما حلمت بها: كلية الطب البشري.

​في اليوم التالي، نشرت المديرية بيانًا رسميًا باعتذار علني وتعديل النتيجة، وتحويل المتسببين في هذا الخطأ الجسيم إلى النيابة الإدارية للتحقيق.

​رجعت فاطمة إلى بيتنا مرفوعة الرأس، محفوفة بحب ودعوات كل من عرفها. وقافلة الحق وإن تعثرت في طريقها بفعل الظلم أو الإهمال، فإنها لا بد أن تصل إلى وجهتها ما دام وراءها طالبٌ يعتمد على الله، وأبٌ يقف كالجبل لا يخشى في الحق لومة لائم.

​"وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ"

تم نسخ الرابط