صاحبة بنتى.. مشيره محمد
بنتي سام عندها 13 سنة، جابت معاها صاحبتها للبيت عشان تتغدى معانا وكانت جعانة جداً.. وبعدها في حاجة وقعت من شنطتها ماكنتش عاملة حسابها خالص!
هي هتتغدى معانا.
بنتي سام قالت الجملة دي وهي مش مستنية مني إذن أساساً.
كنت واقفة جنب البوتاجاز، بحاول أزود الأكل بالعافية عشان يكفي أربعة.. الأسعار ولعت والأكل بقى على القد.
ودلوقتي بقينا خمسة!
البنت اللي واقفة وراها كان باين عليها إنها نفسك تتشق والأرض تبلعها.. لابسة هودي واسع أوي في الحر ده، وكوتشي دايب من كتر اللبس، وعينيها في الأرض مش قادرة ترفعها.
دي ليزي، بنتي قالتلي.
جبرت نفسي أبتسم وقلتلها أهلاً يا حبيبتي.. خدي طبِق.
قعدت أحسبها في سري.. نقلل الفراخ، نزود الرز شويه.. يمكن محدش ياخد باله.
الغدا عدى في هدوء تام.
جوزي حاول يفتح معاها كلام ويتكلم.
ليزي كانت بترد بصوت واطي جداً، يا دوب مسموع.
بس كانت بتاكل..
ببطء، بحذر، وبانتظام..
زي ما تكون ما كلتش وجبة عدلة من زمان.
وشربت كوباية مية ورا التانية.
وكانت بتتخض وتتشنج من أي حركة مفاجأة حواليها.
أول ما مشيت، اتلفتّ لبنتي وقلتلها
ما ينفعش تجبيلي حد معاكي البيت كده فجأة.. إحنا يا دوب مسلكين أمورنا بالعافية!
ردت عليا دي ما كلتش طول اليوم!
قلتلها ده مش مبرر إنك
قطعت كلامي وقالت كانت هتقع طولها وتغمى عليها تاني النهارده! باباها شغال طافح الكوتة عشان يدفع مصاريف المستشفيات، والكهرباء كانت مقطوعة عندهم الأسبوع اللي فات!
سكتّ وما عرفتش أرد.
كملت بنتي أغمى عليها في المدرسة النهارده، والدكاترة قالولها لازم تاكلي كويس.. بس هي مش بتاكل غير وجبة الغدا بتاعة المدرسة بس.. هي دي كل حاجة.
قعدت مكان مش قادرة أقف على رجلي..
أنا كنت شايلة هم الأكل هيكفينا ولا لأ..
وهي كل همها إنها تعدي اليوم وتعيش!
قلت بصوت واطي هاتيها معاكي تاني.
سألتني بكرة؟
قلتلها اه، بكرة.
وجت تاني يوم..
واللي بعده..
والموضوع بقى عادي وروتين.. يذاكروا على الرخامة بتاعة المطبخ، نتغدى، وبعدين تروح.
عمرها ما طلبت أكل زيادة..
ولا كانت بتتكلم كتير..
كانت بتاكل اللي موجود وهي ساكتة.
وفي يوم بالليل، الشنطة اتزحلقت من على كتفها ووقعت على الأرض.
في حاجة وقعت منها..
لا كانت كتب..
ولا كانت كشكيل أو ورق..
وطيت عشان ألمّها من الأرض..
وأول ما شفت هي كانت شايلاها معاها إيه في الشنطة... دمي اتجمد في عروقي!
بصلتلها مصدومة..
هي وقفت مكانها ومتسمرة..
ليزي... إيه ده?!
حكايات مشيره محمد
أنزلتُ نظري إلى الأرض مرة أخرى لأتأكد أن ما تراه عيناي حقيقي وليس مجرد هلاوس من أثر الصدمة.
كانت قطعة قماش بيضاء ناصعة، ملفوفة بعناية شديدة ومربوطة بشريط خياطة رفيع، لكن ما جعل قلبي يسقط بين قدمي هو ما كان بارزاً من طرفها المفتوح... شفرة حادة لمشرط طبي، بجوارها علبة بلاستيكية صغيرة ممتلئة بأقراص دواء حمراء اللون لا تحمل أي اسم، ومذكرة صغيرة ذات غلاف مقوى كُتب عليها بخط يد مرتعش آسفة.. لم أعد أستطيع الاحتمال.
تجمّد الهواء في حلقي. شعرت ببرودة تسري في أطرافي كأنما أُفرغ دمي بالكامل. لم تكن الشنطة تحوي مجرد أدوات مدرسية أو بقايا طعام، بل كانت تحمل الخطة الأخيرة لطالبة في الثالثة عشرة من عمرها قررت أن تضع حداً لحياتها.
رفعت رأسي ببطء. كانت ليزي واقفة في منتصف الصالة، يداها المرتعشتان تلتفان حول جسمها المنحيل، وشفتها السفلى ترتجف بعنف. لم تدمع عيناها، بل كان فيهما ذلك الخوف الزجاجي الصامت... خوف طفل أُلقي القبض عليه وهو يحاول الهروب من جحيمه.
ليزي... ناديتها بصوت كان أقرب إلى الهمس، يحمل مزيجاً من الرعب والشفقة. إيه ده يا حبيبتي؟
خطت خطوة إلى الخلف، وكأنها تستعد للهرب إلى الشارع، لكن بنتي سام كانت قد خرجت من الغرفة على صوت سقوط الشنطة. وقفت سام تنظر بيني وبين صاحبتها، وما إن أدركت ما أحمله في يدي حتى غطت فمها بكفها وانطلقت منها شهقة مكتومة ليزي... أنتِ عملتي إيه؟!
فجأة، انهارت المقاومة الأخيرة لدى تلك الطفل المسكينة. لم تعد قادرة على الوقوف. سقطت على ركبتيها على السجادة، وبدأت تبكي بصوت مزق قلبي... لم يكن بكاء طفل مدلل، بل كان حشرجة صامتة، نابعة من أعمق نقطة في روحها المعذبة.
ألقيت ما في يدي جانباً على الطاولة، وجريت نحوها. جثوت على ركبتي وأخذتها بين ذراعي. كانت نحيلة جداً، كأنني أضم حزمة من العظام الصغيرة المتكسرة. كانت ترتجف بكامل جسدها وهي تردد بين دموعها بصوت تقطعه العبرات
أنا أسفة... أنا أسفة والله... ما حدش كان هيحس بيا... أنا عبء على بابا... أنا باكل أكلة هو مش قادر يدفع ثمنها... المدرسين في المدرسة بيصرخوا فيا عشان معيش كتب... والبيت ضلمة من غير كهربا... أنا تعبت... تعبت أوي يا طنط!
كانت كل كلمة تخرج من فمها تطعن قلبي. نظرت إلى بنتي سام التي كانت تبكي هي الأخرى بحرقة على صديقتها.
في هذه اللحظة، خرج جوزي من المكتب على صوت البكاء. وقف عند باب الصالة وشاهد المشهد. لم نكن بحاجة للحديث؛ نظرة واحدة بيننا كانت كافية ليفهم أننا أمام أزمة حياة أو موت، وأن هذه البنت إن خرجت من باب شقتنا الليلة، قد لا نراها حية بكرة.
جلس جوزي على الكرسي المجاور لنا وقال بصوت هادئ ورزين حاول أن يضفي به بعض الأمان على الجو
ليزي... بصيلي يا حبيبتي.
رفعت عينين ممتلئتين بالدموع المحبوسة.
أكمل جوزي ما فيش حاجة في الدنيا دي تستاهل إنك تتخلي عن حياتك عشانها. باباكي