صاحبة بنتى.. مشيره محمد
طافح الكوتة وشغال ليل نهار ليه؟ عشان بيحبك.. عشان أنتِ الحاجة الوحيدة اللي مصبراه على الدنيا دي. تخيلي هو ممكن يحس بإيه لو رجع البيت وما لقكيش؟
اختنق صوت ليزي وهي تقول بس أنا بتقل عليه... المستشفى أخذت كل فلوسه لما ماما ماتت، وهو مديون ومش عارف يدفع الإيجار، ولا عارف يشتريلي أكل... أنا بشوفه بيبكي بالليل في الصالة وهو فاكرني نايمة!
مسحت دموعها بأطراف أكمامي وقلت لها بكل الحنان الذي أملكه
يا ليزي، الأب والأم ممكن يستحملوا الجوع، يستحملوا الضلمة، ويستحملوا قلة الفلوس... لكن الحيطة اللي سنداهم بتنهد لما أطفالهم يجرالهم حاجة. باباكي مش تعبان عشان أنتِ ثقيلة عليه، هو تعبان عشان مش عارف يخليكي مبسوطة... وده وجع تاني خالص.
أخذت نفساً عميقاً وأنا أحاول التفكير بسرعة. هذه البنت محتاجة حماية فورية، ونفسيتها على المحك.
سام، قلت لبنتي، روحي هاتي كاس المية السخنة بالنعناع من المطبخ، وغطي صحبتك بالبطانية.
ثم التفتت إلى جوزي وقلت له بصوت خفيض باللغة العربية حتى لا تفهمنا جيدا الرسالة دي والأدوات دي لازم نتاكد إنها مش هتوصل لإيدها تاني، ولازم نكلم باباها فوراً... بس بالراحة من غير ما نكسرها.
هز جوزي رأسه موافقاً. أخذ المذكرة والمشرط والأقراص وأخفاهم في مكان آمن، ثم خرج إلى الشرفة ليعمل اتصالاً هاتفيًا بوالدها. عرفنا منه سابقاً أنه يعمل حارساً في أحد المباني المجورة ومكفوف اليد تقريباً.
بعد نصف ساعة، رن جرس الباب.
عندما فتحت، كان يقف على العتبة رجل في أواخر الأربعينيات، لكنه يبدو في الثمانين من كثرة الشقاء. وجهه مشقق، يداه ملطختان بأثر العمل الشاق، وعيناه مجهدتان وتحملهما هالات سوداء عميقة. كان يرتدي جلباباً بسيطاً وسترة قديمة، ويحمل في يده كيسًا بلاستيكياً صغيراً فيه بعض البرتقال.
السلام عليكم... قال بصوت متقطع وهو ينهد من الإرهاق. أنا أسف جداً إن بنتي تعبتكم... هي قالتلي إنها عند صاحبتها بتذاكر. أنا جيبت شوية الفاكهة دول... معلش مش قد المقام، بس ده اللي قدرت عليه.
كان القهر ينضح من كلماته، وشعرت بخجل شديد من نفسي لأنني في أول يوم استثقلت وجودها على طاولتنا.
دعوته للدخول اتفضل يا أستاذ... اتفضل ادخل، البيت بيتك.
دخل الرجل وهو ينظر للأرض خجلاً، وحين رأى ليزي جالسة ومكففة بالبطانية وعيناها محمرتان من البكاء، فزع وانقبض وجهه ليزي! مالك يا بنتي؟ أنتِ تعبانة؟ السكر نزل تاني ولا إيه؟!
جريت ليزي ونطت في حضنه. طوقها بحديد ذراعيه المجهدتين وراح يقبل رأسها وينهمر بالدعاء.
قعدنا جميعاً في الصالة، وبدأ جوزي الحديث بهدوء شديد، دون أن يذكر موضوع او الرسالة حتى لا نزيد من إحباط الرجل أو نجرح كبرياءه، لكننا وضعنا النقاط على الحروف فيما يخص حالة البنت النفسية والصحية.
قال جوزي يا أستاذ، ليزي زي سام بنتنا تماماً. والبنات في السن ده بيمروا بظروف صعبة، وخصوصاً لما بيحسوا بضغوط أكبر من سنهم. ليزي شايلة همك أوي، ومقضية وقتها خايفة عليك وعلى مصاريفك، وده أثر على أكلها وصحتها ونفسيتها.
نظر الأب لبنته بذهول ودموعه سالت على خديه السُمر يا حبيبتي... أنتِ بتفكري في كده؟ أنا بشتغل عشانك أنتِ! والله العظيم لو أبيع هدومي مش هخليكي تحتاجي حاجة... أنا عارف إن الظروف ناشفة، وعارف إن الكهربا قطعت، بس أنا بجمع المصاريف أهو والأزمة هتعدي... ليه يا بنتي تحملي نفسك فوق طاقتها؟
قالت ليزي وهي تبكي في صدره كنت خايفة أكون بتقّل عليك يا بابا... كنت شايفاك محتار ومش عارف تعمل إيه.
مسح الأب دموعه بيده الخشنة وقال بصوت يرتجف أنتِ أملي الوحيد في الدنيا دي بعد أمك الله يرحمها... لو جراك حاجة أنا أروح فيها!
هنا دخلت في الكلام وقلت بحسم وحب عشان كده يا أستاذ، إحنا اتفقنا على حاجة وما فيش فيها نقاش ولا عزومة مراكبية. ليزي من بكرة هتيجي هنا كل يوم بعد المدرسة. هتتغدى مع سام، ويذاكروا سوا لحد ما أنت تخلص شغلك وترجعوا البيت مع بعض. الأكل اللي بيكفي أربعة بيكفي خمسة وستة والبركة من عند ربنا. وإحنا أهلك هنا، واللي يقدر على حاجة يعملها.
حاول الرجل الاعتراض بكرامته العالية يا مدام ده كتير والله... أنا ما أقبلش أكون عبء على حد...
قاطعه جوزي بابتسامة دافئة ما فيش بين الإخوات كرامة وعبء. وبعدين أنت كده بتخدمنا! سام بنتنا كانت كسولة في المذاكرة، ومن ساعة ما ليزي بقت تيجي وهي درجاتها اتحسنت وبتذاكر باجتهاد. اعتبر ده مقابل إنها بتساعد بنتنا!
نظر الأب إلينا بامتنان لا توصفه الكلمات. أدرك أننا لا نقدم له صدقة، بل نقدم حبل نجاة لابنته الوحيدة.
في تلك الليلة، خرجت ليزي من بيتنا وهي تمسك بيد والدها بقوة. لم تكن الشنطة هذه المرة تحوي مشرطاً أو رسالة وداع، بل كانت تحوي علبة غداء أعددتها لها بنفسي لبكرة، وبعض الكتب التي استعارنها لها، والأهم من ذلك... كان في عينيها أمل جديد في الحياة.
مرت الأيام، وأصبحت ليزي فردًا أساسياً من عائلتنا. تعلمت كيف تبتسم من قلبها، وكيف تصرح بآلامها بدلاً من كتمانها. أما أنا، فتعلمت درساً لن أنساه طوال حياتي أن الطبق الزائد من الأكل الذي قد نراه عبئاً على ميزانيتنا، قد يكون هو القشة التي تنقذ روحاً إنسانية كاملة من الغرق في الظلمات.
تمت.. مشيره محمد