حب عمرى. لمشيره محمد
اتجوزت حُب عمري الأولاني بعد ما رجعتلي وهي في آخر أيامها بسبب مرض مالوش علاج، وقالتلي إن طلبها الأخير إنها تبقى مراتي.
بعدها بـ خمس أيام بس، فارقت الحياة.
وفي العزا، جت واحدة عمري ما شفتها قبل كده، حطت ظرف في إيدي وهمستلي:
«منى ما قالتلكش السبب الحقيقي اللي خلاها ترجع... بس دلوقتي خلااص، ما بقتش خايفة من أي حاجة.»
أنا اتعرفت على «منى» من ١٣ سنة، أيام الكلية.
من أول لحظة كان فيه بيننا كيميا والتوافق بيننا كان بيمشي بمنتهى السلاسة.
التقارب كان سريع جداً.
ولمدة ٣ سنين، كان صعب حد يفرقنا عن بعض.
كنا بنذاكر سوا.
نطبخ أكلات بسيطة
نقعد بالساعات الصبح نتكلم عن المستقبل.
وفجأة في ليلة، كل حاجة اتهدت بسبب خناقة كانت تافهة جداً بوقتها.
كنا بنتكلم عن المستقبل.
الشغل.
السفر.
الجواز.
والخلفة.
الحوار شد بيننا والجو بقى متوتر.
وإحنا الاثنين قيلنا كلام أكيد ما كناش نقصدوه.
نمت وأنا متأكد إننا الصبح هنعتذر لبعض وكل حاجة هترجع تمام.
بس لما صحيت، منى ما كانتش موجودة.
هدومها اختفت من الدولاب.
تليفونها اتقفل وما بقاش يجمع.
وحساباتها على السوشيال ميديا اتفتحت الأرض وابتلعتها.
لمت كل حاجة تخصها وتمحت نفسها من حياتي من غير ما تسيب حتى ورقة صغيرة.
قعدت أدور عليها زي المجنون.
في الأول، بشكل متواصل وما بوقفش.
كلمت صحابها.
زملا القدام في الكلية.
الناس اللي اشتغلت معاهم.
أي حد ممكن يكون عارف أي معلومة.
ولا الهوا.. ما فيش أي إثر.
ومع الوقت، الأسابيع بقت شهور.
والشهور بقت سنين.
حاولت أعدي وأكمل حياتي.
ارتبطت بغيرها.
فيهم اللي كانت طيبة وأبنت ناس.
وفيهم اللي كانت تستاهل مني أحسن من اللي قدرة أقدمهولها.
بس كل علاقة كانت بتخبط في نفس السد.
إنهم مش منى.
عشر سنين وأنا شايل جوايا سؤال مالوش إجابة: هي ليه مشيت وسابتني؟
وف ليلة مطرة، الجرس رن.
فتحت الباب.
ولقيتها واقفة قدامي.
منى.
كبرت شوية.
خست بشكل يخوف.
وشها باهت والتعب باين عليه جداً.
الطاقة والحيوية اللي كانت مالية وشها أيام الكلية اختفت تماماً.
بس عينيها.. كانت هي هي ما اتغيرتش.
لقدم كام ثانية ما قدرتش أنطق ولا كلمة.
وهي كمان ما نطقتش.
في الآخر، ابتسمتلي ابتسامة مكسورة وقالتلي بصوت واطي:
«أهلاً..»
كان المفروض أطالبها بإجابات وأسألها عن كل اللي فات.
بس بدل ده، وسعتلها من الباب وخليتها تدخل.
قعدنا قصاد بعض في الصالة.
وهناك قالتلي الحقيقة.. والسبب اللي خلاها تظهر بعد كل السنين دي.
كانت بتموت.
مرضها كان مالوش علاج، والدكاترة قالولها إن أيا مها في الدنيا بقت معدودة.
بقيت باصصلها ومش قادر أستوعب.. الإنسانه اللي قضيت عشر سنين كاملين أدور عليها، قاعدة قصادي دلوقتي على بعد خطوات؟
فجأة مدّت إيدها ومسكت إيدي.
وقالت لي: «فيه حاجة واحدة نفسي فيها قبل ما أمشي.»
«إيه هي؟»
صوابعها ضغطت على إيدي أكتر وقالت:
«عايزة أتجوزك.»
كنت هضحك من كتر ما الطلب كان غير منطقي بالنسبة لي.
«تختفي عشر سنين، وتظهري فجأة على بابي وأنتِ بتموتي، وتطلبي مني نتجوز؟»
«عارفة..»
«طب ليه أنا يا منى؟»
ما ردتش.. وبدل ما تجاوب، ابتسمتلي نفس الابتسامة الهادية والموجوعة اللي فاكرها من أيام الكلية، وعصرت على إيدي بالراحة.
بعدها بيومين، كنا واقفين في المأذون.
لا كان فيه ورد ولا معازيم ولا فرح.
كنا إحنا الاثنين بس، والمأذون، واثنين شهود.
منى كانت لابسة فستان بسيط جداً.
وكانت ضعيفة وهزلانة لدرجة إن طول ما إحنا بنكتب الكتاب كنت ماسكها بذراعي عشان تسند عليّ.
بس أول ما المأذون قال «بارك الله لكما وبارك عليكما»، وشها اتغير تماماً.
للحظة خاطفة، رجعت هي هي البنت الصغيرة اللي حبيتها من ١٣ سنة.
وأنا حاطط إيدي في إيدها، حسيت إن الحياة بشكل ما رجعتلي الشخص الوحيد اللي قضيت سنين فاكر إني عمر ما هشوفه تاني.
الخمس أيام اللي بعد كده كانوا زي الحلم.
فضلنا قريبين من بعض.
نتكلم.
نتفرج على أفلام قديمة.
نفتكر أيام الكلية.
وساعات كانت تريح رأسها على صدري وأنا قاعد أسمع صوت نفسها.
سألتها أكتر من مرة عن السبب اللي خلاها ترجع بعد كل العمر ده.
وكانت كل مرة بترد نفس الرد تقريباً:
«بعدين..»
بس ما كانش فيه وقت لـ «بعدين».
بعد جوازنا بـ خمس أيام، منى راحت لربنا في هدوء.
الخمس أيام دول كانوا أسعد وأصعب أيام عدت عليّ في حياتي كلها.
في العزا، كنت واقف جنب القبر وجمبي شوية ناس قليلين جايين يسلّوا.
أغلبهم كانوا أغراب عني تماماً.
ناس عرفوا منى خلال العشر سنين اللي أنا ما كنتش اعرف فيها أي حاجة عن حياتها.
ولما العزا خلص، فيه ست كانت لابسة أسود في أسود من رأسها لرجليها اتحركت من ورا الناس.
وجت عليا على طول.
عمري ما شفتها قبل كده.
ما عرفتنيش بنفسها حتى.
كل اللي عملته إنها حطت ظرف في إيدي.
بصيت للظرف، وبعدين بصيتلها.
«إيه ده؟»
الست قربت مني أكتر، ووشها كان جاد جداً.. وفي عينيه حزن:
«منى ما كانتش جاهزة تقولك السبب الحقيقي اللي خلاها ترجع.»
صوابعي اتعلمت على الظرف وضغطت عليه.
الست فضلت باصة في عيني وقالت:
«بس دلوقتي خلاص.. ما بقاش فيه حاجة تخاف منها.»
وبعدين سابتني ومشت.
بصيت للظرف تاني..
عشر سنين كاملين كنت فاكر إن اختفاء منى هو أكبر سر في حياتي.
وأنا واقف جنب قبرها، اكتشفت فجأة إني كنت غلطان..
السر الحقيقي كان هي ليه رجعت؟
وأي إجابة كانت منى خايفة تقولها لي وهي عايشة.. بقت دلوقتي بين إيديا جوه الظرف ده.