حب عمرى. لمشيره محمد

لمحة نيوز

حكايات مشيره محمد 

فتحت الظرف بإيدين بترتعش، ونفسي مقطوع. الست كانت اختفت بين الشواهد الرخام، وشمس العصر كانت بتبعت آخر خيوطها البرتقالية الباهتة على التراب. جوا الظرف كان فيه فلاشة صغيرة بلون فضي مطفي، وورقة مطوية مكتوبة بخط إيد «منى» المميز.. نفس الخط الرفيع المايل اللي كنت بشوفه زمان في كشكول المحاضرات.

​قعدت على الرصيف اللي جنب المدافن، وركبي مش شايلاني. فتحت الورقة ورجلي بتخبط في الأرض بقلة حبر.

​«كريم.. لو أنت بتقرأ الكلام ده دلوقتي، يبقى أنا خلاص مش موجودة، ويبقى سارة أدتك الفلاشة زي ما اتفقنا. أنا عارفة إن عندك ألف سؤال، وعارفة إنك قضيت عشر سنين بتسأل نفسك أنا ليه اختفيت وليه رجعت. حقك عليا يا كريم.. حقك عليا على كل لحظة وجع سبتهالك. شغّال الفلاشة، وهتفهم كل حاجة. أنا ما هربتش منك أنت.. أنا هربت عشان أحميك.»

​قمة الحيرة والوجع كانوا بياكلوا في صدري. هربت عشان تحميني؟ من إيه؟ ومن مين؟

​روحت الشقة، السكون كان بيصرخ في كل ركن. ريحة البرفان بتاعها لسة معلقة في الصالة، وفنجان الشاي اللي شربت منه آخره قبل ما تروح المستشفى لسة على الترابيزة. حطيت الفلاشة في اللاب توب وأنا قلبي بيدهس على مشاعري. كان فيه فيديو واحد بس، مسجل بتاريخ من شهر فات.. قبل ما تجيلي البيت بكام يوم.

​شغلت الفيديو.

​ظهرت منى على الشاشة. كانت قاعدة في أوضة إضاءتها ضعيفة، وشها كان أصفر وباهت بس عينيها كانت مركزة على الكاميرا بحدّة. تنفست بعمق وشاورت بإيدها كأنها بتظبط كلامها، وبعدين بدأت تتكلم بصوت هادي ومتحشرج:

  • ​«كريم.. لما سيبتك من عشر سنين، المكان اللي كنا فيه ما كانش مجرد خناقة تافهة عن المستقبل. أنا أهلي زمان كانوا مديونين لشخص نفوذه كبير جداً اسمه حازم. حازم ده كان شايفني مجرد صفقة، حاجة بيمتلكها عشان يسدد بيها ديون أبويا. لما عرف إن في حياتي حد تاني.. إن فيه "أنت".. بدأ يهددني بيك. في الليلة دي، بعد ما أنت نمت، جالي مسج منه على التليفون، صورة ليك وأنت نازل من شقتك، وتحتها جملة واحدة: "لو ما جيتيش بكرة الصبح، الوش ده مش هتشوفيه تاني سليم، وأهلك هيروحوا في داهية".»

​جمعت إيدي على ركبتي وأنا بضرب بقبضتي على الترابيزة من كتر الصدمة. الدم اتجمد في عروقي. منى كملت كلامها في الفيديو وهي بتمسح دمعة نزلت على خدها بالراحة:

  • ​«ما كانش قدامي غير خيار واحد. أختفي. أقطع كل خيط يربطني بيك عشان حازم ما يوصلكش. سافرت معاه محافظة ثانية بأسلوب إجباري، عشت عشر سنين في جحيم حقيقي، ممنوعة من التواصل، ممنوعة من الحركة، مجرد سجينة باسم الجواز. كنت كل يوم بصحى وأنا بقول لنفسي: المهم كريم عايش بخير، المهم هو بعيد عن الأذى ده. لحد ما من سنة.. حازم مات في حادثة عربية.» حكايات مشيره محمد

​سكتت لحظة في الفيديو، واخدت نفس طالع بالعافية، وابتسمت ابتسامة مكسورة:

  • ​«أول ما مات، حسيت إن القيود اتفكت، بس جسمي كان خلاص اتدمر. التعب اللي كان جوايا أكل فييا من كتر القهر والضغط العصبي طول السنين دي. لما رحت للدكاترة، قالولي إن السرطان انتشر في جسمي خلاص، وإن فاضلي شهور قليلة. ساعتها بس.. اتخذت القرار. أنا عشت عشر سنين خايفة، مش حرة، وبموت كل يوم. بس مش هموت وأنا مش مراتك. كان لازم أرجعلك، مش عشان أطلب منك إجابات، ولا عشان أتقل عليك بمرضي.. أنا رجعت عشان آخد الحقيقة معايا وأسيبلك حقك. سارة اللي أدتك الظرف دي صديقتي الوحيدة اللي وقفت جنبي الفترة الأخيرة، وهي اللي معاها كل المستندات والأوراق اللي تسجن أيا حد من أتباع حازم لو حاولوا يقربولك.»

​الفيديو خلص، والشاشة بقت سودا.

​أنا قعدت في الأوضة والضلمة بتلف بيا. العشر سنين اللي قضيتهم بأكل في نفسي وأقول: "هي ليه باعتني؟ أنا أثرت معاها في إيه؟"، طلعوا عشر سنين كانت هي بتضحّي بكل لحظة في حياتها عشان تفضل أنا عايش ومحمّي.

​الدموع اللي حبستها طول أيام العزا نزلوا مرة واحدة زي المطر. افتكرت لما رجعتلي على الباب ووقفت بصالي.. افتكرت مسكة إيدها وهي بتقولي في مكتب المأذون: "عايزة أتجوزك". هي ما كانتش بتطلب مني طلب أخير لراحة نفسها.. هي كانت بتبصلي كأنها بتقولي: "أنا رجعت بيتي أخيراً، أنا بقيت حرة".

​تاني يوم الصبح، اتصلت برقم سارة اللي كان مكتوب في ظهر الورقة. تقابلنا في كافيه هادي.

​سارة كانت قاعدة ومستنياني، قدامها دوسيه أسود مليان أوراق. قعدت قصادها وأنا عيني حمرا من السهر.

​سارة بصلتي بهدوء وقالتلي:

  • ​«أنت شفت الفيديو؟»

​هزيت رأسي وأنا بحاول أتمالك نفسي:

  • ​«شفت كل حاجة.. ليه ما قالتليش وهي عايشة؟ ليه سابتني أفكر إنها رجعت بس عشان خايفة تموت لوحدها؟»

​سارة ابتسمت بحزن وضغطت على الدوسيه:

  • ​«منى كانت عارفة إنك لو عرفت وهي عايشة، كنت هتقلب الدنيا. كنت هتسيب كل حاجة وتدور على حقها وتاخدها للمستشفيات وتتحسر على اللي جرالها. هي كانت عايزة الخمس أيام دول يبقوا بتوعكم أنت وهي بس.. مش بتوع المستشفيات والبوليس والماضي. كانت عايزة تعيش معاك خمس أيام صافيين، كأن العشر سنين دول ما حصلوش. كانت عايزة تبصلك وتشوف كريم بتاع الكلية، مش كريم الغاضب الانتقامي.»

​سكتت شوية وسحبت الدوسيه ناحيتي:

  • ​«ده حقها وحقك. الأوراق دي فيها كل القضايا والتجاوزات اللي حازم وعيلته عملوها، ومنى سجّلت كل حاجة قبل ما تموت وتنازلتلك عن الشقة والمبلغ اللي سابهولها عشان تبدأ بيه حياتك من جديد. هي طهرت ماضيها كله عشان تدهولك أنت.»

​مسكت الدوسيه، بس ما كانش فارق معايا فلوس ولا أملاك. كل اللي كان فارق معايا إن السلسلة الثقيلة اللي كانت ملفوفة على قلبي عشر سنين اتفكت، بس قصادها قلبي فاته الأوان إنه يتصلح.

​رجعت البيت. دخلت الأوضة اللي قضينا فيها الخمس أيام. فتحت الدولاب وطلعت فستانها البسيط اللي كانت لابسة يوم كتب الكتاب. حطيت وشي فيه واستنشقت ريحتها.

​الخمس أيام ما كانوش قليلين.. دول كانوا عمر كامل. منى ما ماتتش مقهورة، هي ماتت وهي حرة، وفي حضن الشخص اللي اختارته من أول يوم.

​دلوقتي، كل ما يمر عليا ليلة مطرة، بفتكر رنة الجرس، بفتكر الباب لما اتفتح ولقيتها واقفة. ما بقتش بزعل إنها مشيت، بقيت بأحمد ربنا إنها رجعت.. وإنها سابتلي الحق والمحبة اللي يخلوني أعيش اللي فاضلي من عمري وأنا مرفوع الراس، ومطمئن إن حُب عمري ما خانيش ولا بايعني في يوم من الأيام.... تمت.. مشيره محمد 

تم نسخ الرابط