التؤم

لمحة نيوز

​ندى شاورت بيديها للميكروفون وابتسمت بتشفي، وهي بتبصلي بثقة كأنها بتقول: "أنا كسبت.. الفلوس بتشتري أي حاجة، حتى ولدك اللي ربيته."

وقالت بصوت ناعم عبر المكبرات:

"تعالوا يا حبيباتي.. استلموا هداياكم، أمكم اللي حرمت نفسها عشان تبني لكم المستقبل ده."

​القاعة بدأت تهمس.. بعض الناس بدأوا يقلبوا عينيهم عليا باستنكار، وبعضهم كان مستني يشوف دراما اللقاء بين الأم وبناتها بعد السنين دي كلها.

​خطوتين..

ليلى وغادة بدأوا يتحركوا.

مشيتهم كانت بطيئة، هادية، ومنتظمة.

أنا غمضت عيني، وحسيت بنغزة مكتومة في قلبي. هل الفلوس والشقق والسفر هيغسلوا 18 سنة جفاء؟ هل اللحظة دي هي اللي هتكسر ظهري قدام الناس؟

​فتحت عيني.. البنات كانوا وصلوا لمنتصف المسرح، واقفين قصاد ندى بالضبط.

ندى فتحت دراعاتها بابتسامة عريضة والدموع نازلة من عينيها بتعديل احترافي، ومستنية  قدام الكاميرات والجمهور.

​لكن ليلى وغادة وقفوا على بعد خطوتين.. وما تحركوش شبر زيادة.

​الابتسامة بدأت تتجمد على وش ندى تدريجياً. دراعاتها المفتوحة بدأت تنزل ببطء وهي بتبص لهم باستغراب.

​ليلى قربت من الميكروفون.. مسكته بثبات شديد، صوتها لما طلع ما كانش فيه أي اهتزاز ولا عياط، كان صوت فيه برود يرعب.

بصت لندى فوق وتحت، وبعدين وجهت كلامها للقاعة كلها:

​"حضرتك بتقولي إن بابانا هرب بينا وحرمك منا؟"

​ندى ارتبكت لحظة، بس استرجعت دراميتها وقالت بصوت واطي ومسموع في الميكروفون:

"أيوه يا حبيبتي.. هو استغل إني كنت تعبانة و..."

​غادة قطعت كلامها بهدوء حاد، وصوتها يرن في القاعة:

"حضرتك مش فاكرة إنك لما مشيتي من المستشفى بعد 3 أيام من ولادتنا، سيبتي ورقة مكتوبة بخط إيدك لمدير المستشفى بتتنازلي فيها عن حضانتنا وعن أي مسؤولية طبية أو قانونية تجاهنا عشان تتطلقي وتسافري؟"

​الهمهمة في القاعة اختفت تماماً. الـ 300 شخص اتجمدوا في أماكنهم، حتى الهواء كأنه اتسحب من المكان.

​ندى وشها اصفر، وحاولت تتكلم: "أنا.. أنا كنت تحت تأثير البنج والاكتئاب.. أنتوا مش فاهمين..."

​ليلى طلعت من جيب روب التخرج ورقة متطبقة، فتحتها قدام الناس وعلى شاشات العرض اللي كانت بتعرض الحفل، وقالت:

"دي صورة طبق الأصل من البلاغ اللي بابانا عمله في الشرطة يوم ما اختفيتي، ومرفق معاه إقرارك الرسمي وتوقيعك في الشهر العقاري بالاستغناء عننا مقابل المؤخر والنفقة! البلاغ ده عمره 18 سنة.. بابا حفظه في ملف ذكرياتنا مش عشان نكرهك، ولكن عشان لما نكبر ونسأله: 'ليه ماما مش معانا؟'، يورينا الحقيقة من غير ما يظلمك ولا يظلم نفسه."

​ندى بدأت تترعش، خطواتها رجعت لورا خطوة، وعينيها بتتنقل بين البنات وبين الحضور اللي بدأوا يبصوا لها بنظرات قرف واشمئزاز.

​غادة بصت للصندوقين الفخمين اللي في إيد ندى، ومدت إيدها أخدتهم منها ببرود.

ندى اتنفسنا بسعادة لحظية وافتكرت إن الفلوس كسبت، ابتسمت وقالت: "أيوه يا غادة.. دي حقكم.."

​لكن غادة ما فتحتش الصناديق. مشيت بيهم لحد طرف المسرح.. وبكل بساطة، رمتهم في صندوق القمامة الكبير اللي كان محطوط على جنب المسرح للديكورات والورق!

​صوت خبطة الصناديق وهي بتترفى جوة الزبالة رن في الصالة كلها كأنه ضربة قلم على وش ندى.

​القاعة كلها شهقت في نفس واحد.

​غادة رجعت وقفت جنب ليلى، ومسكت الميكروفون وقالت بصوت ثابت هز الأركان:

"الهدية اللي جاية بعد 18 سنة عشان تشتري بيها ضميرك وتباهي بيها قدام الناس، مكانها الصح هو اللي حطيناها فيه دلوقتي. أنتي فاكرة إن الأمومة هي شقة في أرقى مكان وسفر لأوروبا؟ الأمومة هي الراجل اللي قاعد في الصف الأول ده.."

​أشاروا الإثنين بإيديهم عليا.

العدسات والتصوير كأنهم تحولوا عليا في ثانية. دموعي نزلت من غير ما أحس، دموع حبسها الزمن 18 سنة.

​ليلى كملت وهي بتبص لندى في عينها مباشرة:

"الأمومة هي الراجل اللي كان بيصحى الساعة 5 الصبح يشتغل شغلتين عشان يدخلنا أحسن مدارس.. الراجل اللي كان بيمسح دموعنا لما نمرض، واللي كان بيحضر معانا حفلات المدرسة وهو سهران طول الليل بيكافح.. الراجل ده هو اللي عملنا بني آدمين، هو اللي بسببه إحنا النهارده الأوائل على الدفعة.. هو كان لينا الأب والأم والأمان."

​غادة أضافت بنبرة قاطعة كالسيوف:

"أنتي مش أمنا.. أنتي مجرد ست اتبرعت بجينات منذ 18 سنة ومشت تعيش حياتها اللي اختارتها. والنهاردة، إحنا بنختار الراجل اللي اختارنا كل يوم في الـ 18 سنة اللي فاتوا."

​ندى كانت واقفة مكفيّة على وشها من الصدمة والخزي، مش قادرة ترفع عينها في حد، ولا قادرة تنطق كلمة واحدة. المفاجأة اللي كانت مجهزاها عشان تلمع بيها قدام المجتمع انقلبت لفضيحة قاسية كشفت حقيقتها قدام 300 شخص.

​مدير المدرسة أخد الميكروفون وهو بيحاول يسيطر على دموعه هو كمان، وبص للبنات وبصلي وقال بصوت فيه خشوع وفخر:

"أحييكم.. وأحيي الأب العظيم اللي رباكم."

​في اللحظة دي، القاعة كلها وقفت على حيلها. 300 شخص بدأوا يسقفوا بحرارة، تصقيف هز جدران القاعة، ناس كتير كانت بتمسح دموعها، والمدرسين كانوا بيبصوا لي بنظرات احترام ما أقدرش أوصفها.

​ليلى وغادة نزلوا من على المسرح، سابوا ندى واقفة لوحدها تحت الأضواء في حالة ذهول وانكسار، وجريوا عليا.

بحبس أنفاس، وحسيت إن كل ليلة سهرتها، كل قرش تعبت فيه، كل لحظة شكيت فيها في نفسي كأب.. اتعوضت في اللحظة دي.

​ليلى وهي حاضناني همست في وذني: "شكراً يا أحسن بابا وأم في الدنيا."

وغادة قالت وهي بتضحك وسط دموعها: "يا رب الهدية تكون عجبتك يا بابا.. إحنا ردينالك جزء صغير أوي من حقك."

​بصيت لندى اللي كانت بتنسحب ببطء ومنكسرة من الباب الخلفي للمسرح، من غير ما حد يبص لها ولا يهتم بوجودها. كانت فاكرة إن الفلوس تقدر تشتري السنين، بس نسيت إن مشاعر البشر الحقيقية بتتبنى بالحب والتضحية.. مش بالمظاهر.

​مسحت دموعي، مسكت إيدين بناتي التؤام، وخرجنا من القاعة مرفوعين الراس.. إحنا الثلاثة، العيلة الصغيرة اللي بنتها الأيام الصعبة، وما قدرتش أي ثروة في الدنيا تهدها.تمت... مشيره محمد 

تم نسخ الرابط