مربية الايتام

لمحة نيوز

أنتِ مريم المصريه؟
اثنين رجالة شكلهم ولاد ناس ومقتدرين واقفين في وسط طشاش المطر والساقعة وبيعطوني ظرف مقفول. بقالي عشر سنين يصادف إني بقلب من بقشيش عشايا وبأطعم أربع بنات أيتام اختفوا فجأة. الصورة اللي جوه الظرف كانت طالعين فيها مع راجل من أكبر أصحاب الأموال والملايين. بس الشوية كلام المكتوبين تحت خالص هما اللي جمدوا الدم في عروقي...
أنتِ أبلة مريم؟
الراجلين اللي كانوا واقفين بره بيتها الصغير كانوا لابسين بالتهات غالية وشيك، وعربيتهم الفارهة الدفع الرباعي دايرة وراهم في وسط المطرة والساقعة.
مريم اترددت لحظة قبل ما تاخد الظرف المقفول.
بقالها حوالي عشر سنين بتأكل الأربع أخوات الأيتام من غير ما حد يحس في مطعم عم أنور الصغير.
كانت بتدفع من بقشيشها الخاص عشان تجيب لهم الشوربة والسندوتشات، وهدوم الشتا، ومستلزمات المدرسة. وبين الشيفت والتاني، كانت بتقعد تذاكر لهم وتسمع لأحلامهم.
مريم عمرها ما استنت كلمة ثناء ولا شكر من حد.
كانت مؤمنة بفيض بساطة إن مفيش عيل المفروض ينام جعان.
وبعدين البنات كبروا، ودنيا الفراق خدتهم واختفوا.
مرت إتناشر سنة.
شعر مريم بدأ يبيض، والمطعم بقى أهدى وأروق عن زمان، وهي خلاص سلمت إنها مش تشوفهم تاني.
جوه الظرف كان فيه صورة للأربع أخوات واقفين جنب راجل مريم عرفته على طول أول ما شافته.
راجل أعمال ملياردير وشه مشهور جداً وبيطلع في الجرايد والتلفزيون كل يوم.
مديرة دار الأيتام القديمة هجست بصوت واطي البنات أخيراً عرفوا مين أبوهم الحقيقي.
مريم فضلت مبلمة ومربعة عينها في الصورة.
وبعدين لقطت الجملة المكتوبة بعناية تحت خالص.
في اللحظة اللي قرت فيها الكلام، الظرف وقع من إيديها وهي بترتعش...
وقفت مريم في مكانها مش قادرة تتحرك، والورقة بتترعش بين صوابعها قبل ما تقع على الأرض الترابية قدام الباب. كانت الكلمات الثمانية المكتوبة ببنط واضح وإيد متأنية بتحفر جولتها جوه قلبها شكراً لأنك أنقذتِ حياتنا عندما كنا لا شيء.
الراجلين اللي واقفين قدامها ببدلهم الشيك والمطر بينزل على أكتافهم، بصوا لبعض بصة متفهمة. واحد منهم وطى بمنتهى الأدب، جاب الظرف من الأرض، ونفض عنه التراب بهدوء وبعدين حطه تاني في إيد مريم.
أستاذة مريم.. الحج إسماعيل الفايد في انتظارك. العربيات جاهزة عشان تنقلك للڤيلا بتاعته في القاهرة.
مريم بلعت ريقها بالعافية، وطرحتها البيضا المسحوبة على كتافها كانت بتهتز مع الهوا الساقع.
إسماعيل الفايد؟ رجل الأعمال؟ وبناتي.. هدى ونور وسمر والصغيرة ياسمين.. هما بخير؟ هما معاه؟
رد الراجل التاني بنبرة هادية لكن جد البنات هما اللي بعتونا ليكي بنفسهم يا حجة مريم. اتفضلي معانا، الطريق طويل والجو بيمطر، وكل أسئلتك هتلاقي إجابتها هناك.
ركبت مريم العربية الفارهة، والجلد ناعم ودافئ، عكس حياتها كلها اللي قضتها بين ريحة الماعون والزيت المحروق في مطعم عم أنور الصغير على أطراف الحارة. طول الطريق اللي أخد حوالي ساعتين، كانت ذكريات العشرين سنة اللي فاتوا بتمر قدام عينها زي شريط سينما قديم.
تفتكر اليوم اللي دخلوا فيه المطعم لأول مرة.. الجو كان ساقعة زي النهاردة من عشر سنين. أربع بنات صغار، أعمارهم بين أربع سنين وثناشر سنة، هدومهم متبهدلة، رجليهم في الجزم المقشورة، وعيونهم فيها خذلان وخوف يبكي الحجر. هدى الكبيرة كانت ماسكة إيد أصغرهم، ياسمين، وبتحاول تداريها ورا ظهرها.
ساعتها عم أنور، صاحب المطعم، زعق وقال يلا يا بت منك ليها بره! معندناش أكل لله هنا، السوق مريح والناس مش لاقية أكلها!
لكن مريم دخلت في النص بقلب الممرضة والأم اللي مخلفتش. وقفت قدام عم أنور وقالتله بصوت واطي بس جامد سيبهم يا عم أنور.. أكلهم على حسابي. اقتطع تمن الفول والشوربة من بقشيشي النهاردة.
ومن اليوم ده، بقى أكل البنات أمانة في رقبة مريم. كانت بتاخد الشيفت المزدوج، تقف على رجليها اتناشر ساعة، عشان بس تضمن إن البقشيش يكفي شوربة لسان عصفور سخنة، وسندوتشات جبنة وبيض، وهدوم شتا تسترهم من الساقعة. كانت تقعد معاهم في الركن المظلم جنب المطبخ بعد ما المطعم يفضى، تراجع مع هدى الواجب، وتسرح شعر نور، وتسمع لأحلام سمر اللي كانت حابة تبقى دكتورة، وتهدّي ياسمين لما تبكي وتفتكر أمها اللي ماتت.
وفجأة.. من سنتين، البنات اختفوا. شقتهم المقفولة في الحارة المجاورة بقت مهجورة، والدار الأيتام المقفولة اللي كانوا تابعين ليها اسمياً اتنقلت. مريم دورت عليهم في كل شبر، سألت في المستشفيات والمدارس، لكن الأرض كانت انشقت وبلعتهم.
فاقت مريم من ذكرياتها لما العربية وقفت قدام بوابة حديدية ضخمة بتتفتح كهربائياً. الڤيلا كانت زي القصور اللي بتشوفها في التلفزيون؛ إضاءة خافتة ودافية، جنينة واسعة، ونافورة مية شغال فيها النور الأبيض.
نزلت مريم ورجليها مش شايلاها. الباب الخشبي الضخم اتفتح، وجوه الصالون الفخم، كانت الواقفة المستنية.
أول ما دخلت، أربع بنات واقفين بفساتين شيك جداً وضحكات أمل على وشوشهم.
أبلة مريم!
الصوت طلع من ياسمين، الصغنونة اللي كبرت وبقت عروسة. الأربعة جرو عليها في نفس اللحظة، واتلموا حواليها زي زمان، يحضنوها ويبكوا، ودموع مريم نازلة على خدودها وهي بتشم ريحتهم اللي متغيرة بس قلوبهم زي ما هي.
يا حبايبي.. يا بناتي.. انتوا فين كل ده؟ قلبي كان هيقف عليكم! مريم كانت بتتكلم وهي بتضم هدى الكبيرة وتقبل رأس نور وسارة.
هدى مسحت دموعها وقالت سامحينا يا أبلة مريم.. والله ما كان بإيدينا. الأحداث كانت أسرع مننا كلنا، بس والله العظيم ولا يوم عدا إلا وانتِ في بالنا وفي دعانا.
في اللحظة دي، اتفتح باب المكتب الملحق بالصالون، وخرج منه راجل في الستينيات من عمره، شعره أبيض كلياً، لابس نضارة طبية ووشه عليه علامات التعب والوقار. إسماعيل الفايد بنفسه.
وقف إسماعيل يبص لمريم بنظرة كلها احترام وامتنان، وقرب منها خطوتين وهز رأسه

تم نسخ الرابط