مربية الايتام
بإجلال.
أهلاً بيكي يا أم البنات.. أهلاً بالست اللي شالت أمانة غيرها في وقت العالم كله كان بايعهم.
مريم قعدت على الكنبة وهي لسه مش مستوعبة أنا مش فاهمة حاجة يا حج إسماعيل.. البنات دول.. إزاي بقوا بناتك؟ وأنا شفتهم كبروا قدام عيني في الدار والمطعم؟
إسماعيل قعد قدامها، وبص للبنات بنظرة فيها حزن قديم، وبدأ يحكي بصوت مجروح
من أربعتعشر سنة.. أنا كنت متجوز سر من مساعدة قصادي في الشركة، الست دي كانت طاهرة ونقية بس أنا كنت جبان.. خفت على اسمي وعلى ثروتي وعيلتي الكبيرة. لما حملت خلف أربع بنات.. أربعة مرة واحدة! خفت من الفضيحة والمشاكل العائلية، وحصلت بيننا خناقة كبيرة، وهي أخدت البنات ومشيت وغابت عن عيني تماماً.
سكت إسماعيل ومسح وش إيده على جبهته كأنه بيفتكر كابوس، وأكمل
بعد سنتين، عرفت إنها اتوفت في حادثة. لما دورت على البنات، أهلي أو أعدائي في الكار كانوا سبقوني.. واحد من منافسيني في السوق عرف سر البنات، وعشان يضغط عليا ويذلني، زور أوراقهم ورمى الأربعة في دار أيتام صغيرة في حارة مقفولة، ودفع رشاوى عشان الاسم يتغير والملفات تتمحى. أنا قضيت اتناشر سنة بدوّر في كل شبر في مصر، مش عارف أوصلهم، لحد ما دار الأيتام دي أفلست والملفات القديمة ظهرت في مزاد تصفية أوراق! وصلت لمديرة الدار القديمة، وبفلوسي ونفوذي قدرت أجمع خيوط الحقيقة وأعمل تحليل DNA وأثبت نسبهم ليا رسمياً من سنتين.
مريم بصت للبنات وبعدين بصت لإسماعيل طب ولما جيلتهم من سنتين.. ليه سبتوني محروقة الدم عليهم طول الوقت ده؟
دخلت نور في الكلام وقعدت جنب مريم ومسكت إيدها المجهدة من الشغل
يا أبلة مريم.. بابا لما أخدنا، كنا مصدومين. حياتنا انقلبت رأساً على عقب. انتقلنا لدنيا تانية خالص، ورق وسفر وعلاج وتأهيل وتعليم في جامعات بره. بابا كان خايف علينا من الناس اللي كان بينه وبينهم تار قديم، وقفل علينا تماماً لحد ما يقدر يؤمن حياتنا ويصفّي حساباته القانونية والمالية مع أعدائه. حذرنا إننا نتصل بأي حد عشان حياتنا وحياتك انتِ كمان متكونش في خطر.
أكملت هدى بصوت ثابث بس احنا اشترطنا على بابا من أول يوم.. إن يوم ما أمورنا تستقر وتترتب، أول حاجة نعملها إننا نرجعلك.. ونردلك نقطة من البحر اللي عملتيه معانا.
إسماعيل وقف وقرب من مريم، وطلع من جيبه ملف أسود كبير وحطه في حجرها.
ده إيه ده يا حج؟ سألت مريم باستغراب.
ابتسم إسماعيل وقال ده حقك الشرعي والإنساني. الملف ده فيه أوراق ملكية لمطعم جديد باسمك في أكبر منطقة تجارية في القاهرة.. مطعم كامل المجهوادت والمطابخ. مش بس كده، فيه عقد نصيب بنسبة 25 من أسهم مؤسسة الخير اللي البنات أنشأوها باسمك مؤسسة مريم لكفالة أيتام الشوارع.
مريم قامت وقفت بسرعه والملف في إيدها بترتعش لا لا يا حج! أنا ما عملتش كده عشان المقابل! أنا كنت بعمل كده لله.. البنات دول كانوا بناتي لما الدنيا كلها قفلت بابها في وشهم! أنا لا بعرف أدير مطاعم كبيرة ولا أفهم في المؤسسات والتجارة!
قربت ياسمين الصغيرة وحضنت مريم من وسطها وقالت انتِ مش هتعديري لوحدك يا أبلة مريم.. أنا اتخرجت من إدارة الأعمال، وهدى بقت مهندسة ديكور وهتصمم المطعم والمؤسسة، ونور بقت دكتورة وهتشرف على الرعاية الطبية للأطفال في المؤسسة، وسمر بتدرس حقوق وهتدافع عن حقوقهم Legal.. احنا بقينا كده بفضلك انتِ! بفضل سندوتش الشوربة اللي كنتِ بتبدليه ببقشيشك وسهرك طول الليل!
دموع مريم نزلت بغزارة، وحست إن كل السنين اللي قضتها في التعب، والحرمان، والوحدة، والوقوف في الساقعة قدام النار في مطعم عم أنور.. كل ده كان غرسة صغيرة في أرض طيبة، والنهاردة بتجني ثمارها شجر كبير ومظلل.
إسماعيل الفايد بص لمريم وقال بنبرة صادقة الفلوس بتشتري كل حاجة يا ست مريم.. إلا القلب اللي بينبض بالرحمة من غير شرط. أنا معايا مليارات، بس حاسس إنك أغنى مني بكثير لأنك ملكتِ قلوب بناتي ورسمتِ حياتهم لما أنا كنت غايب. الڤيلا دي بيتك، والمؤسسة دي شغلك، والبنات دول بناتك قبل ما يكونوا بناتي.
في الليلة دي، مريم مانامتش في أوضتها الجديدة الفخمة في الڤيلا.. قعدت على السرير والأربع بنات متجمعين حواليها، زي أيام زمان في الحارة الساقعة، بس المرة دي كانت الضحكات مالية المكان، والأنوار دافية، والقبلات على إيدها مش بتخلص.
عرفت مريم إن ربنا مش بيضيع أجر من أحسن عملاً، وأن أثر الخير مهما اتقفلت عليه الأبواب واختفى في زحمة الأيام.. يرجع لأصاحبه في الوقت المناسب، ويعوضهم عن كل لحظة وجع وسهر بأضعاف مضاعفة.
تمت.. مشيره محمد