الظابط
بأي تجاوز...
قطعت مايا حديثه برفعة يد واحدة، حركة هادئة لكنها كانت تحمل سلطة لا تقبل النقاش. ثم التفتت بنظرها مباشرة إلى محمود الشرس.
السقوط في الهاوية
كان محمود يحاول جاهداً أن يجمع شتات نفسه. حاول أن ينطق، أن يتلعثم باعتذار، أو يختلق كذبة، لكن لسانه كان كقطعة خشبية يابسة في فمه.
حضرة الضابط محمود.. قالت مايا وهي تتأمله من رأس حتى قدميه بنفس الاحتقار الذي كان ينظر به إليها، لكن هذه المرة كان احتقار القوي العادل للضعيف الفاسد.
تابعت قائلة
أنت سألتني من شوية إذا كنت فاكرة نفسي في مركز شباب، وقلت لي اعرفي مقامك. خليني بقى أعرفك مقامي، وأعرفك مقام الورق اللي إنت دست عليه بجزمتك.
أخرجت مايا من حقيبتها الجلدية البسيطة ملفاً آخر، ورفعت غلافه ليظهر للصحفيين وكاميرات التلفزيون التي كانت تسجل كل لحظة بالبث المباشر.
الملف ده.. فيه الحقيقة كاملة عن قضية أخويا كريم. كريم مكنش بلطجي زي ما إنت ادعيت عشان تغطي على جريمتك. كريم كان مهندس مدني اكتشف استيائك إنت ومجموعة من حيتان المباني على أراضي الدولة، ولما رفض يزوّر تقارير السلامة الإنشائية للمباني المخالفة، ملفكم كله أجهزة الأمن القومي كانت بتابعه بالتعاون معايا.
انسحبت الدماء كلياً من وجه محمود. توسعت حدقتا عينيه برعب حقيقي.
أكملت مايا بصوت حاد كالسكين
الورق اللي رميته على الأرض ودست عليه.. كان قرار النيابة العامة باستدعائك اليوم كمتهم رئيسي في قضية القتل العمد وتسهيل الاستيلاء على أموال الدولة، وهو نفس الملف اللي صدر بيه قرار من مجلس النواب بدمج عقوبتك تحت بند الجرائم الماسة بالأمن القومي!
هتف أحد الصحفيين في الخلفية
سيادة النائبة! هل هذا يعني أن الضابط محمود هو المتهم الأول في قضية انهيار عقار الإبراهيمية؟!
نظرت مايا إلى الكاميرات وقالت بثبات
نعم. ومستندات الإدانة الكاملة موجودة بحوزة السيد رئيس النيابة الإدارية الآن. لكن سيادة الضابط استعجل نهايته.. بجرائمه اليوم داخل حرم المحكمة.
عندما تتكلم العدالة
في تلك اللحظة، تحرك رئيس النيابة الإدارية إلى الأمام وأخرج مستنداً ممهوراً بالشمع الأحمر والختم الرسمي للنيابة العامة. قنع القاضي الجليل عبد الحميد بك برأسه واصفاً الحجم الجسيم للجريمة.
قال رئيس النيابة بصوت جهوري هز أرجاء القاعة
بناءً على ما أثبته البث المباشر، وأمام شهادة رئيس المحكمة الاقتصادية ومدير الأمن، وبناءً على التحقيقات المرفقة في القضية رقم 4012 جنايات المباشرة
يُلقى القبض فوراً على النقيب محمود بتهمة القتل العمد، واستغلال السلطة، والإهانة العلنية لعضو في السلطة التشريعية، والتعدي على حرمة القضاء داخل مقر المحكمة!
التفت مدير الأمن فوراً إلى الضباط الذين كانوا يقفون خلف محمود، وأمرهم بصوت صارم
انزعوا سلاحه ويافته الاسميّة فوراً! جردوه من رتبته وهاتوه بالكلبشات!
تقدم الضباط أنفسهمأولئك الذين كانوا منذ دقائق يقهقهون ويهزون رؤوسهم تأييداً لبطش محموداقتربوا منه بوجوه واجمة ومذعورة، يفرغون شحنات خوفهم في تنفيذ الأمر بسرعة فائقة.
امتدت الأيدي التي كان يتباهى بها محمود لتنزع عن كتفيه الرتب العسكرية، وشعاره الذي طالما استغله لإرهاب الضعفاء. أُمسكت يداه بحدة، وصُرخ في وجهه لكي ينحني، ثمُ أطبقت الأغلال الحديدية الكلبشات على معصميه بصوت معدني جاف ترجع صداه في القاعة.
سقط محمود على ركبتيه بنفس الطريقة التي كان يظن أنه سيكسر بها مايا. رفعت الأغلال يديه للأمام، وكانت نظراته تتوسل، تتوسل لأي شخص أن ينقذه من هذا الكابوس المتسارع.
نظر إلى مايا، وصوته يرتجف بكاءً ونحيباً ذليلاً
سيادة النائبة.. أرجوكِ.. أنا عندي أطفال.. أنا أخطأت.. الشيطان غواني.. سامحيني يا فندم.. أرجوكِ اغفري لي!
المواجهة الأخيرة
قربت مايا خطواتها منه هادئة، متزنة، تحيط بها هالة من الشموخ والعزة التي لا تتزعزع. انحنت قليلاً لتبلغ مستواه وهو جاثٍ على الركبتين تحت أقدام الحراس والصحفيين.
نظر محمود في عينيها علّه يرى ذرة شفقة، لكنه لم يجد سوى القوة الصلبة التي يصنعها الحق.
قالت له بصوت خافض، لكنه ينزل كالرصاص في أذنيه
أمي عرفت تربي كويس قوي يا محمود.. ربطتني على إن الحق مبيضيعش، وإن الظالم لو فكر نفسه جبل، فالحق صخرة بتهد الجبال. إنت نسيت إن المكان ده مش بتاعك ولا بتاع أشكالك.. المكان ده بتاع العدالة.. والعدالة مابتنساش.
ثم وقفت بجسدها الممشوق، والتفتت بكامل جسدها نحو منصة القضاء، تاركة إياه خلفها يجرجره الحراس وهو يصرخ ويبكي بلا جدوى، بينما كانت فلاشات المصورين تلتقط صورته وهو يقاد بالأغلال ليكون عبرة لمن يعتقد أن السلطة حصانة ضد الحق.
دخلت مايا قاعة المحكمة الرئيسية، ليس كضحية تبحث عن الشفقة، بل كرمز للحق الذي لا يكسره بطش، ولا تنال منه حماقة ظالم.
النصر الأخير
جلس جميع الحضور في قاعة المحكمة قياماً احتراماً لدخولها. وقفت أمام منصة القاضي، وأخرجت من حقيبتها ورقة صغرة كانت قد كتبتها بنفسها في الصباح الباكر، وقرأتها بلسان واثق أمام هيئة المحكمة الموقرة والأمة بأسرها
إن العدالة ليست مجرد نصوص تُكتب في الكتب، ولا مبانٍ يُرفع عليها العلم.. العدالة هي الضمير الذي يستيقظ عندما يحاول الظالم إطفاء النور. واليوم، لا أطالب بحق أخي كريم فقط، بل أطالب بحق كل مظلوم ظن في يوم من الأيام أن صوته أضعف من أن يُسمع. اليوم، يُثبت القانون أن لا أحد فوق الحساب.
وانطلقت تصفيقات مدوية هزت أركان القاعة، بين صحفيين يغطون الحدث التاريخي، ومواطنين احتشدوا ليشهدوا إنصاف الضعيف وسقوط الطاغية.
أما محمود الشرس، فقد تم ترحيله في نفس اليوم إلى السجن المركزي، لينتظر محاكمته العاجلة التي أصبحت حديث الشارع والإعلام، مدحوراً، مجرداً من كل سلطة، ليذوق من نفس الكأس التي حاول أن يسقي منها غيره.