كامله
القرض!
صرخت موزة بصوت خفيض وهي تمسك ذراعه بعنف
ماذا؟! والمال الذي أنفقناه على هذه الحفلة؟ والدراسة في لندن؟! لقد وعدتني أن كل شيء محسوم!
صاح راشد بوجهها ولأول مرة بقلة صبر وغضب مكتوم
اسكتي! اسكتي يا موزة! الولد خدعنا... الولد تركنا نلعب أوراقنا المكشوفة وخردنا من كل شيء!
في تلك الأثناء، انتشر الخبر في القاعة كالنار في هشيم الجريد. أحد الضيوف، وهو موظف في وزارة التربية والتعليم، كان يتصفح قائمة الأوائل المعتمدة على هاتفه، ونادى بصوت عالٍ وسط المجلس
يا أبا لؤي! يا راشد! ما هذا التواضع؟! اسم ولدك سالم راشد المنصوري في المركز التاسع والثمانين على مستوى الدولة بنسبة 98 7٪! لماذا تحتفل بلؤي وتخفي عنا فخر الدولة سالم؟!
ساد الصمت المفاجئ في القاعة.
توقفت الموسيقى، ودارت رؤوس الحاضرين ونظراتهم بين راشد المتلعثم، ولؤي الذي هربت الدماء من وجهه، وموزة التي نظرت إلى الأرض بخزي لا يداوى.
تعلثم راشد والكلمات تتخبط في حنجرته
أنا... سالم... سالم في البيت...
لكن الرجل أردف وهو يقرأ الهاتف
والله هذا إنجاز يرفع الرأس! أين سالم لنبارك له ونقبّل رأسه؟
لم يستطع راشد الإجابة. كيف يقول لهم إنه طرد صاحب هذا الإنجاز بالأمس فقط؟ كيف يشرح لهم أنه رمى جواهره في الشارع من أجل السراب؟
طريق العودة المظلم
في منتصف الليل، بعد أن انفضت الحفلة المكسورة، وانصرف الضيوف بأسئلة وشكوك تملأ أذهانهم، كان المجلس الكبير في فيلا راشد يبدو كأنه مقبرة مهجورة.
أكواب القهوة المتروكة، وبقايا العود التي انطفأت، والورود التي ذبلت على الطاولات.
جلس راشد على أريكته الضخمة، والشت الذهبي ملقى بجانبه بإهمال. دخلت موزة وهي تبكي بغضب
افعل شيئًا يا راشد! لؤي لن يستطيع دخول أي جامعة هنا بهذه النسبة الضعيفة، والبنك يطالب بجمارك المبالغ التي سحبتها مكشوفة! اتصل بسالم! اطلبه! أليس ابنك؟ استعطفه!
نظر إليها راشد بنظرة فارغة، خالية من كل القوة المزيفة التي كان يتصنعها.
أستعطفه؟ بعد أن سمع تسجيلاتنا بآذانه؟
شهقت موزة
تسجيلات؟ أي تسجيلات؟
أخرج راشد هاتفه وأراها رسالة بريدية أرسلها المحامي خالد، تحتوي على ملف صوتی مرفق. فتح الضبط، فارتفع في القاعة المظلمة صوت موزة وهي تقول
لا تدعه يشعر أن له قيمة بدون هذا البيت.
وصوت راشد البارد
عندما يجوع ويضطر للنوم في الشارع... سأرمي له بعض المال... وسيفعل ما أريد.
استمعت موزة لصوتها يتردد في الفراغ، وسقطت على الأريكة المجاورة وهي تضع يديها على وجهها.
لم يكن هناك مفر.
سالم لم يهرب؛ سالم كان يبني حصنًا من الحقائق بينما كانوا هم يغرقون في وهم السيطرة.
قام راشد بخطوات متثاقلة، ومسك هاتفه، واتصل برقمي.
المكالمة الأخيرة
كنتُ أقف في شرفة شقة خالتي مريم بالشارقة، أنظر إلى أنوار المدينة المنعكسة على سطح الماء الهادئ.
كان الهواء عليلًا، والهدوء في صدري لم أشهده منذ سنوات طويلة.
اهتز هاتفي.
الاسم الظاهر أبي.
تركت الهاتف يرن لعدة ثوانٍ، أستمتع بجمال اللحظة واستحقاقها، ثم فتحت الخط وضغطت المكبر.
نعم يا سيد راشد؟
جاء صوته من الطرف الآخر مكسورًا، مخنوقًا، يخلو تمامًا من تلك النبرة العاتية التي طردتني بها بالأمس
سالم... يا بني... أين أنت؟
أنا في المكان الذي أستحقه يا سيد راشد. حيث يوجد الصدق والأمان.
صمت لثوانٍ ثم قال بصوت يرتجف
سالم... النتيجة... لماذا لم تخبرني برقمك الحقيقي؟ 98 7٪ يا سالم! أنت رفعت رأسي... لماذا كذبت عليّ وقُلت إنك رسبت؟
ضحكتُ ضحكة هادئة، خفيفة، لم تحمل أي كره، بل حملت الشفق على رجل لم يفهم الحياة قط
أنا لم أكذب عليك كي أخدعك يا أبا لؤي... أنا قلت لك إنني رسبت كي أجعلك تختار. أردتُ أن أعرف هل تحب سالم الابن، أم تحب سالم الذي يملك الفيلا والنسبة؟ وأنت اخترت. اخترت أن تطردني، واخترت أن تبيعني في اللحظة التي ظننت فيها أنني بلا فائدة.
يا سالم... أنا أبوك! الموزة والبيت والظروف... كل شيء يمكن إصلاحه. عد إلى البيت، الفيلا فيلا والدتك وهي لك، وسنفرح بنجاحك ونقيم لك حفلة أكبر من حفلة لؤي بآلاف المرات!
نظرتُ إلى السماء الصافية، وتذكرتُ وجه أمي رحمة وهي تبتسم لي في صورها القديمة.
الحفلة لا تعني لي شيئًا يا راشد المنصوري. أمي بنت لي بيتًا من الحكمة قبل أن تموت، وأنت بنيت بيتك من الرمال والطمع. الفيلا ستعود لي بحكم القانون خلال أيام، ولكن ليس لكي أسكن فيها معك... بل لأبيعها وأبني بها مستقبلي ومستقبل خالتي مريم التي فتحت لي بابها عندما رميتني أنت في الشارع.
سالم! أرجوك لا تفعل هذا بنا... لؤي والجامعة والقروض...
قاطعته بهدوء تام، ونبرة صلبة لا تقبل المراجعة
لؤي هو ابنك الذي اخترته وفضّلت أن ترفع رأسك به. فلتدع سنوات التعب التي تحدثت عنها أمام الناس تنفعه الآن. أما أنا... فلستُ الابن الذي طردته بجهلك.
من أنت إذن يا سالم؟! سأل بصوت متهدج يكاد يبكي.
رددتُ عليه قبل أن أُغلق المكالمة إلى الأبد
أنا سالم رحمة... المالك الحقيقي لكل شيء.
أغلقتُ الخط.
وضعتُ الهاتف في جيبي، ثم التفتُّ لأجد خالتي مريم تقف عند باب الشرفة، ومقربة في يدها كوبًا من الشاي بالهيل.
ابتسمتْ لي، ونظرتْ إلى المستندات المعروضة على الطاولة، ثم قالت بصوت دافئ يشبه صوت أمي
تشرب الشاي يا سالم؟ غدًا لديك يوم طويل في الجامعة لتسجيل ملفك.
أخذتُ الكوب منها، واستنشقتُ رائحة الهيل الزكية، وأنا أنظر إلى أضواء الشارقة ودبي المتموجة على أفق البحر.
لم أعد أخشى الغد.
ولم أعد ذلك الشاب الصامت الذي يقف خلف الجدار ليستجد العطف.
لقد خرجتُ من منزلهم بضعة ملابس وساعة قديمة...
وعدتُ إلى العالم بأكمله.