كامله

لمحة نيوز

الشمس في دبي لا ترحم منتصف النهار، لكنّ الشارقة كانت في تلك الظهيرة تشبه حلمًا قديمًا هادئًا. خرجتُ من مكتب المحامي خالد بن أحمد وأنا أستشعر ثقل الظرف البني في يدائي؛ لم يكن يحتوي على أوراق الملكية ومستندات الفيلا فحسب، بل كان يحمل رفات الماضي، وإرث أمي رحمة، وخطتي التي أعددتها بذوقٍ بارد لا مكان فيه للخطأ.
وقفتُ أمام البناء الحديث في قلب منطقة الخان بالشارقة، أستنشق رذاذ البحر المحمل برائحة الملح والدفء. المكان هنا يختلف تمامًا عن جدران فيلا أبي الشاهقة في دبي؛ لا توجد ثريات كريستالية ولا رائحة عود تفوح لتبهر ضيوفًا مزيفين، بل هدوء طيّب ورائحة خبز الرقاق والهيل التي تعبق في شقة خالتي مريم.
دستُ بقدمي أرض الشقة الصغرى، فرأيت خالتي تجلس عند الطاولة، ونظرات القلق في عينيها لم تتغير منذ البارحة. كانت يداها تنسجان مسبحة عاجية ببطء، وحين لمحت الظرف البني في يدي، أوقفت حركتها.
سالم... هل قابلت المحامي؟
جلستُ أمامهَا على الكرسي الخشبي، ووضعتُ المستندات بوقار بيننا.
نعم يا خالتي. الأستاذ خالد كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات. أمي لم تترك لي الفيلا فحسب، بل تركت صندوقًا استثماريًا صغيرًا مغلقًا يُصرف لي فور بلوغي الثامنة عشرة وشريطة استلام ملكية العقار. كانت تعرف كل خطوة سيتخذها راشد المنصوري.
تنهدت خالتي مريم، وجرت زفرة حارة من أعماق صدورٍ عاشت الخيبة مع أختها الراحلة
أمك رحمها الله عاشت معك يا سالم كأنها تحميك من الغد. راشد لم يكن يرارك ابناً، بل كان يرى فيك امتدادًا لمالٍ لا يملكه. ولكن... ما الذي تنوي فعله الآن؟ لؤي وأبوه يحتفلان اليوم في دبي، والخبر يملأ صحف ورسائل المعارف، يُقال إن الحفلة تكلّفت المئات من الآلاف.
ابتسمتُ ابتسامة صغيرة، ملؤها الجليد.
دعيهم يحتفلون يا خالتي. الحفلة التي يقيمونها اليوم بمال ليس مالهم... هي الحفلة الأخيرة.
جلسة المحامي ومفاجأة القانون
في مكتب الأستاذ خالد، كانت التكييفات تبث برودة قاسية تشبه جفاف الحقائق القانونية. وضع المحامي النظارة على عينيه، وفتح المجلد المخملي الأسود الذي احتفظ به لخمس سنوات.
يا سالم، أمك رحمة رحمها الله كانت من أذكياء النساء. لم تكتفِ بتسجيل فيلا الشاطئ باسمك، بل وضعت شرطًا جزائيًا وحق إدارة حصري يمنع والدك من التصرف أو التأجير أو الرهن بصفته وليًا بعد بلوغك سن الرشد. واليوم، أنت بالغ، عاقل، ومعك شهادة الثانوية العامة التي تثبت أهليتك الكاملة.
نظرتُ إليه بتركيز شديد
وماذا عن القرض الذي يحاول والدي أخذه بضمان الفيلا لدعم دراسة لؤي في لندن؟
ابتسم المحامي خالد وهو يهز رأسه نفيًا
هذا هو الفخ الذي أوقع نفسه فيه. راشد قدم طلبًا مبدئيًا للبنك يعتمد فيه على وكالة قديمة انتهت صلاحيتها القانونية بمجرد بلوغك الثامنة عشرة يوم أمس. البنك يخاطبه الآن لتقديم موافقتك الشخصية وتوقيعك الحي. هو يعتقد أنك مجرد شاب مكسور ومطرود في الشارع، وسيأتيه زاحفًا للتوقيع مقابل بضعة دراهم.
وهذا لن يحدث أبدًا، أليس كذلك؟
بل سيحدث ما هو أعظم. لقد أعددتُ إنذارًا عدليًا بفسخ أي تصرف سابِق، وأرفقتُ معه نسخة من تسجيل الصوت الذي زوّدتني به. القانون لا يحمي الطامعين يا سالم، وفي دبي والإمارات عمومًا، الملكية الفردية وحقوق القاصرين بعد الرشد مقدسة.
أخرجتُ هاتفِي وأريته النتيجة الرقمية المطبوعة 98 7٪.
اندهش المحامي وخاطبني بفخر
هذه النتيجة تُدخلك أفضل كليات الهندسة أو الطب بالدولة وبمنحة كاملة! كيف أخفيت هذا عن أبيك؟
أردتُ أن أرى وجهه الحقيقي دون قناع المال. أردتُ أن يطرادني بملء إرادته، كي لا يبقى له عليّ فضلٌ ولا معافاة. لقد اختار لؤي بناءً على وهم، وسيدفع ثمن هذا الوهم قريبًا.
ليلة الحفلة والضحكات المزيفة
في الوقت الذي كنتُ أراجع فيه الأوراق في الشارقة، كانت قاعة الفندق الفاخر في دبي تعج بالمعازيم. الثريات الكريستالية تتلألأ، ورائحة البخور تملأ المكان، والمهنئون يتوافدون لمباركة راشد المنصوري وزوجته موزة بمناسبة نجاح ابنهما لؤي.
يقف راشد متأنقًا بشتّه الأسود المقلم بالذهب، ممسكًا بيده يد لؤي الذي كان يبتسم بجلادة مزيفة.
كان لؤي يعلم في قرارة نفسه أنه بالكاد تخطى نسبة ال 60٪، وأن كل هذا البهرج ليس إلا غطاءً لتغطية الفشل، ودعمًا لخطط والده في السيطرة على أموال رحمة الراحلة.
اقترب أحد كبار التجار ورجال الأعمال في دبي، بوعلي، من راشد وقال متهللاً
مبروك يا أبا لؤي! رفع رأسك الولد. وماذا عن سالم؟ سمعنا أنه أنهى الثانوية هذا العام أيضًا؟
تغير وجه راشد للحظة، وارتسمت على شفتيه قسوة مجردة
سالم... لم يكن على قدر المسؤولية يا بوعلي. ولد مهمل، رسب في الاختبارات، ولم يحفظ النعمة. طردته من بيتي ليتعلم كيف يكون الرجال.
شهق بوعلي متأسفًا
رسب؟! لا حول ولا قوة إلا بالله. غريبة، كانت أمه رحمها الله أحرص الناس على تعليمه.
تدخلت موزة بصوتها الناعم المسموم
الله يهديه يا بوعلي. لؤي هو الذي سيعوضنا، وإن شاء الله يغادر الشارع القادم إلى لندن ليصبح مهندسًا كبيراً، والفيلا الجديدة ستكون مقره ودعمه.
في تلك اللحظة بالذات، اهتز هاتف راشد المنصوري في جيبه.
كان المتصل هو المحامي خالد بن أحمد.
استأذن راشد من الحضور بابتسامة وثقة، وتنحى جانباً قرب الناشورة الرخامية في مدخل القاعة، ثم رد بلهجة استعلاء
أهلاً أستاذ خالد. هل أنهيت إجراءات نقل ملكية الفيلا وتجديد الوكالة؟ أحتاج التوقيع غداً صباحاً لحسم معاملة البنك.
جاء صوت المحامي خالد عبر الهاتف، هادئًا، وثقيلاً كالصخر
مساء الخير يا سيد راشد. أردتُ فقط إبلاغك بصفتك الشخصية، أن موكلي السيد سالم راشد المنصوري قد استلم كافة مستنداته الرسمية اليوم بعد بلوغه السن القانوني.
تجمدت الابتسامة على وجه راشد
موكلك؟! سالم؟ أي كلام فارغ هذا؟ سالم ولد فاشل ومطرود، ولا يملك من أمره شيئًا!
ضحك المحامي خالد ببرود قانوني
موكلي ليس فاشلاً يا سيد راشد. موكلي حصل على نسبة 98 7٪ في الثانوية العامة، وهو من الأوائل على مستوى الدولة هذا العام. وقد أعطاني تعليمات صريحة بإلغاء أي وكالة سابقة، وإرسال إخطار رسمي للبنك بوقف جميع المعاملات الخاصة بفيلا البحر. كما أود إحاطتك علمًا بأننا نقوم حاليًا بإجراءات رفع دعوى محاسبة عن إدارة أموال القاصر خلال السنوات الماضية.
سقط الهاتف تقريبًا من يد راشد.
شعر بدوار مفاجئ، وكأن سقف القاعة المذهب ينهار فوق رأسه.
ماذا تقول؟! 98 7٪؟! كيف... كيف كذب عليّ؟!
صوت المحامي أتاه حاسمًا قبل أن يغلق المكالمة
هو لم يكذب عليك يا سيد راشد... هو فقط تركك تختار ما تفضله. وقد اخترت أنت ولؤي. أراك في المحكمة.
مواجهة الجدران الباردة
عاد راشد إلى وسط القاعة بخطوات ثقيلة ووجه شاحب كالموتى. لاحظت موزة شحوبه، فاقتربت منه بهمس وريبة
راشد؟ ماذا حدث؟ لماذا تغير وجهك هكذا؟ الناس ينظرون إليك!
تمسك راشد بطاولة قريبة، ونظر إلى لؤي الذي كان يضحك مع أصدقائه.
سالم... سالم لم ينسب يا موزة.
ارتجفت شفتا موزة
ماذا تعني؟ كيف لم ينسب؟ هو قال لك بلسانه!
سالم حصل على 98 7٪... هو من الأوائل! وذهب للمحامي، وألغى كل شيء. الفيلا أصبحت تحت يده بالكامل، والبنك ألغى
 

تم نسخ الرابط