جابتها من شعرها 2
الجزء الثالث والأخير: السر المستور
الشارع كله اتكهرب. الصوت الطالع من سبيكر الموبايل كان زاي صاعقة نزلت على دماغ أشرف، وهزت ندى من قعر قلبها. الصوت كان واضح، نبرة أشرف المقربة الجبانة وهي بتقول:
"لو أمي نفذت اللي في دماغها، ندى لازم تطلع من البيت… وأنا هخليها تصدق إني واقف ضدها."
ندى رجعت خطوة لورا، وشها اصفرّ وزي ما يكون الدم هرب منه تماماً. ما بقتش حاسة بوجع فروة رأسها من الشد، ولا بركبها اللي اتجرحت من الأسفلت. الوجع كينونته اتغيرت، بقى طعنة في نص قلبها من أكتر بني آدم أمنته على حياتها.
بصت له بعيون مفنجرة من الصدمة، وصوتها طلع مخنوق، طالع بالعافية من بين شفايفها اللي بترتعش:
— إنت... إنت كنت عارف يا أشرف؟ إنت كنت متفق معاها عليّا؟!
أشرف وشه اتغير مية وثمانين درجة. حرك إيده في الهوا بحركة ملخبطة، وعيونه بتزيغ بين ندى، وأمه اللي واقفة متسمرة، وبين الشاب اللي ماسك الموبايل وزي ما يكون ماسك رقبة العيلة كلها في إيده.
— ندى.. افهميني بس! والله الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.. أنا.. أنا كنت بحاول أحميكي!
أشرف اتلعثم، والكلام طالع منه مكسر وموش مفهوم.
الناس اللي واقفين في الشارع، اللي كانوا من شوية نازلين تجريح وتقطيع في ندى، بدأوا يتهامسوا ونظرات القرف والاندهاش اتوجهت لأشرف وأمه.
صاحب السوبر ماركت قرب خطوة وهو بيهز رأسه بأسف:
— يا خسارة الرجولة.. بقى متفق مع أمك تمثلوا على البنت وتفضحوها في الشارع؟!
الشاب صاحب الموبايل ابتسم ابتسامة سخرية مريرة، ووطّى الصوت شوية وقرّب من أشرف وقال بصوت مسموع للكل:
— تحب أكمل باقي التسجيل يا أشرف بيه؟ ولا تحكي أنت للناس وللأستاذة ندى إيه السر اللي خايف منه للدرجة دي؟ السر اللي يخليك تضحّي بكرامة مرتك وتخلي أمك تسحلها في نص الشارع عشان بس تخرجها من البيت وهي شايلة العار، فماتطالبش بأي حق من حقوقها؟
حمات ندى صرخت فجأة بصوت هستيري، وجريت على الشاب تحاول تتخانق معاه:
— إنت مين يا جدع إنت؟! ومين زقك علينا؟! أنت عايز تخرب بيت ابني؟!
ندى زعقت بصوت زلزل الشارع كله، صوت طالع من قهر سنين اتكتمت في صدرها:
— بسسسس! كفاية بقى! كفاية قرف وكذب!
بصت لأشرف وقربت منه، وعينيها بتطق شرار رغم الدموع اللي مغرقة وشها:
— اتكلم يا أشرف.. انطق! إيه السر اللي تخاف أعرفه؟ إيه اللي يخليك تبيعني بالشكل الرخيص ده؟ أنا عملت فيك إيه؟ ده أنا أكلت معاك اللقمة الحاف، وصبرت على قرف أمك ومعاملتها اللي زي الزفت من أول يوم اتجوزنا فيه! كنت بتقولي معلش دي أمي، وكنت ببلع ونسكت.. أخرتها تفبركوا ليا تهمة سرقة وتقلوا بيا قدام تسوى والللي ماتسووش؟!
أشرف نزل رأسه في الأرض، مكنش قادر يحط عينه في عينها. لكن الشاب صاحب الموبايل، ويدعى "كريم" -زي ما اتعرف بعد كده- حط إيده في جيبه وقال بثبات:
— لو مش هيتكلم، أنا هتكلم. ندى هانم.. جوزك المحترم كتب على شقتكم دي عقد بيع ابتدائي لأمه من ست شهور فاتوا. الشقة اللي إنتِ شارية نصها بفلوس ورثك من أباكي، واللي كتبتي النص ده باسمه عشان يضمن قرضه من البنك!
ندى برقت عينيها، ورجعت خطوة لورا كأنها اتضربت بالقلم:
— إيه؟! الشقة؟
كريم كمل وهو بيبص لأشرف بنظرة احتقار:
— أيوة.. الشقة. هو وأمه اكتشفوا إن الأرض اللي الشارع ده فيه هيدخلها تنظيم ورصف وتوسيع، وشركة مقاولات كبيرة اشترت البيت اللي جنبكم وبدأت تشتري العمارات دي بأسعار خيالية عشان تعمل مشروع مول تجاري. شقتكم لوحدها بقى سعرها يشيّل ملايين! وبدل ما يديكي نصيبك ورزقك اللي إنتِ شاركة فيه بفلوسك ودم قلبك، قرروا يتخلصوا منك.
ندى كانت بتسمع والكلام ينزل على قلبها زي السم.
كريم كمل:
— التسجيل التاني اللي معايا، أشرف بيتفق مع أمه فيه إنهم يعملوا حوار السرقة ده.. عشان تطلعي من البيت بفضيحة، وتتنازلي عن كل حقوقك وعن نصيبك في الشقة مقابل إنهم ما يبلغوش عنك Police! كان عايز يكسر عينك وعين أهلك، وتخرجي من الجوازة دي بلاش.. وفي نفس الوقت، هو يأخد الملايين وياخد الشقة له ولأمه!
الشارع كله اتملى بصوت الشهقات والصدمة. الستات اللي كانوا بيتفرجوا من شوية وبيدينوا ندى، بقوا يبصوا للحماة وأشرف بصلف وقرف شديد.