جابتها من شعرها 2
واحدة من الستات صاحت بصوت عالٍ:
— يا ساتر يا رب! إيه الغل ده؟! دي مش بني آدمة، دي عقربة!
وراجل تاني رد:
— بقى يسيب أمه تسحل مراته في الشارع عشان الفلوس؟! يخرب بيت الطمع اللي يعمي النفوس كده!
ندى فضل واقفة مش مصدقة. كل نقطة عرق، كل قرش حوشته من ورث أبوها وعطته لأشرف عشان يبدأ بيه حياته وبنى بيه الشقة دي، كل لحظة تنازلت فيها عن كرامتها عشان خاطر تعيش.. كل ده كان بيتداس عليه بالنعال عشان شوية فلوس!
بصت لأشرف بكل قرف الدنيا، وقالت بصوت هاديء جداً.. هدوء ما بعد العاصفة:
— الشقة يا أشرف؟ تبيعني وتبيع كرامتي في الشارع عشان الشقة؟
أشرف حاول يقرب منها ويمسك إيدها:
— ندى.. والله أمي هي اللي ضغطت عليا! قالتلي لو ما عملتش كده مش هترضى عني.. أنا كنت هعوضك والله، كنت هكتبلك حاجة ثانية..
ندى ضربت إيده بحدة وزقته بعيد عنها بكل قوتها:
— أوعى تلمسني! إنت مش راجل! إنت أصغر وأحقر بني آدم شفته في حياتي! أمك؟ أصل أمك دي الشيطان ذات نفسه، وإنت مجرد لعبة في إيدها!
الحماة اتدخلت بقلة حيلة وصوت عالي بتحاول تداري خيبتها:
— إنتِ هتعملي فيها الشريفة العفيفة؟ أيوة الشقة شقة ابني! وإنتِ مكيش حاجة عندنا! ويا نصاب يا اللي اسمك كريم، إنت إيه اللي دخلك في الموضوع ده؟ إنت بتراقبنا ولا إيه؟!
كريم ضحك بسخرية وقال:
— أنا ما بلمسش الحرام يا حاجة.. أنا المحامي اللي شركة المقاولات كلفتني أخلص أوراق شراء العمارة دي. ولما جيت من أسبوع عشان أراجع أوراق شقتكم، أشرف جالي المحاماة وطلب مني أعمل العقد باسمه هو وأمه بس، ويومها سمعتكم بالصدفة بتتفقوا في مدخل العمارة على الخطة الوسخة دي. ولأني عندي ضمير وما أقبلش إن مظلومة تتسحل وتتظلم بالشكل ده، قررت أراقب المهزلة دي وأسجل كل كلمة، عشان لما يجي اليوم ده، الحقيقة تطلع للنور!
أشرف انهار ووقع على ركبه، ونزل رأسه في الأرض. الخطة اتفضحت، والشارع كله بقى شاهد، والشهود بقى معاهم تسجيلات وصوت وصورة.
ندى وِقفت بكل كبرياء، رغم لبسها المبهدل وشعرها المنكوش. رفعت رأسها لفوق، ومسحت دموعها بإيدها، وبصت للناس اللي واقفين حواليها كلهم، وقالت بصوت قاسي وثابت سمع الشارع كله:
— يا ناس.. يا اللي كنتوا بتصوروا بلموبايلاتكم وتفتحوا لايف عشان تفضحوني.. كملوا تصوير! صوروا دلوقتي! صوروا الراجل اللي باع مراته عشان الفلوس.. صوروا الأم اللي علمت ابنها الندالة والحرام! صوروا عشان الكل يعرف مين الشريف ومين الحرامي!
الناس بدأت تحول كاميرات الموبايلات فوراً على أشرف وأمه. أمه غطت وشها بطرحتها وبقت تستخبى ورا ابنها من كسوفها، وأشرف بقى يحط إيده على وشه ومش عارف يروح فين من العيون اللي بتاكله.
ندى قربت من كريم وقالت له بنبرة مليانة امتنان وكسرة في نفس الوقت:
— شكراً يا أستاذ كريم.. ربنا سخرك ليا في اللحظة دي عشان تنقذني من الفضيحة ومن المخطط القذر ده.
كريم هز رأسه باحترام وقال:
— ولا يهمك يا مدام ندى.. الحق لازم يرجع لأصحابه. والتسجيلات دي كلها هتبقي تحت أمرك في النيابة، وهرفعلك قضية طلاق للضرر وقضية تبديد وتمكين من الشقة، وبكرة الملايين دي هتاخدي نصيبك منها بالقانون وغصباً عن عين أي حد.
ندى بصت لأشرف للمرة الأخيرة، نظرة خالية تماماً من أي مشاعر.. لا حب ولا كره، مجرد قرف وتحقير:
— أنا مش بس هطلق منك يا أشرف.. أنا همسحك من حياتي، وهسيبك لأمك وللحرص والطمع اللي هيحرقكم أنتوا الاتنين. أنت فاكر إنك كسبت الشقة؟ أنت خسرت نفسك، وخسرت رجولتك، وبقيت أضحوكة الشارع والحي كله.
لفت ندى ظهرها، وبدأت تمشي بثبات وسط الناس. الناس فتحوا لها طريق باحترام، وواحدة من الستات قربت منها وحطت شال على كتفها عشان تستر لبسها المتكرمش، وقالت لها:
— ربنا ينصرك يا بنتي.. حقك عند ربنا مش بيضيع، والحمد لله إن حقيقتهم بانت قبل فوات الأوان.
ندى مشيت في الشارع، ورأسها مرفوعة للسما. كانت بتعيط، بس الدموع المرة دي مكنتش دموع قهر أو ذل.. كانت دموع الارتياح، دموع الخروج من سجن كان مقفول عليها مع ناس مابيعرفوش ربنا.
وراهــا.. كان صوت الشارع لسه شغال، الصياح والبهدلة نازلة على أشرف وأمه، اللي بقوا واقفين في نص الطريق، متجردين من كل حاجة.. الفلوس، والكرامة، والستر!
تمت.