هى قالتلى انى مش بنتك
بابا... هي قالتلي... إن أنا مش بنتك بجد.
الجملة نزلت على سليمان زي المية المغلية، خلته يتسمر في أرضه وميقدرش يحرك صباع واحد.
قبل الكابوس ده بدقائق معدودة، كان داخل من باب الشقة وضحكته مالية وشه، شايل في إيده دبدوب أبيض كبير، كان بقاله أسبوع يدور عليه عشان يفاجئ بيه بنته الصغيرة فريدة. بس الضحكة دي اتمحت تماماً أول ما عدى باب الصالة وشاف المنظر.. فريدة، حتة العيلة اللي عندها سبع سنين، قاعدة على ركبتها فوق البلاط الساقع، هدومها مبلولة مية وركبتها متغرقين، وإيديها الصغيرين المحمرة ماسكين بعزم ما فيها في يد المساحة.
أنتِ بتعملي إيه عندك يا فريدة؟!
البنت مردتش في ساعتها.. رفع عينيها المعمرة بالدموع، وبصلت لأبوها بنظرة كلها قهر وخوف.
سليمان لمح الجردل جنبها.. والمساحة اللي بتنقط مية.. وشاف نانسي واقفة فوق رأسها، لابسة فستان أبيض أنيق، وحاطة إيد في وسطها وبتبص للبنت ببرود يرعب.
إيه اللي بيحصل في البيت ده؟!
نانسي اتوترت للظلمة، بس حاولت تلم الموضوع بسرعة واتكلمت بنبرة متصنعة
سليمان؟! أنت رجعت بدري ليه النهاردة؟ أنت فاهم الموضوع غلط خالص، فريدة هي اللي وقعت العصير وكانت بتساعدني تنضفه، صح يا فريدة؟
حكايات مشيره محمد
فاهم غلط؟! سليمان نزل على ركبته قدام بنته، ونبرة صوته كان فيها وجع يهد جبال بقالك قد إيه بتخلي البنت تعمل شغل البيت يا نانسي؟ بقالك قد إيه بتعاقبيها بالشكل ده؟
نانسي كتمت نفسيها ومردتش، وبصت للناحية التانية بزهق.
فريدة شديت كم جاكيت سليمان بإيدها المبلولة، وبصوت بيترعش من العياط قالت
بابا...
سليمان إيديه وسحبها أنا هنا يا حبيبتي.. أنا جنبك، قوليلي في إيه؟
هي كمان قالتلي... إن أنا مش زي باقي الأطفال في العيلة دي... وقالتلي إنك مش بابا الحقيقي.
سليمان وقف على حيله بالراحة، وش الملامح بتاعته تحولت لكتلة من الغضب المكتوم. لف لنانسي وسألها وهو بيجز على سنانه
أنتِ قولتيلها إيه بالظبط يا نانسي؟ انطقي!
نانسي حطت إيدها في وسطها وبصتله بكل بجاحة وقالت
أنت بجد هتصدق كلام عيلة صغيرة وتكدبني أنا؟ أنت اتجننت يا سليمان؟
كلامها عمل سكون غريب في الصالة.. الهدوء اللي بيسبق العاصفة.
بس المرة دي، سليمان مابصلهاش.. ماردش عليها أصلاً.
كان عينه على فريدة.. وفي ثانية، كل الشريط القديم اتعرض قدام عينيه. سر من ثمان سنين فاتوا، سر كان فاكر إنه اتدفن تحت الأرض ومحدش يعرف عنه حاجة أبداً.. افتكر اليوم اللي اتولدت فيه فريدة، وافتكر الحادثة القديمة، والورق اللي اتكتب في المستشفى، والكلية اللي اتقفلت على أسرار كتير.
نزل مستوى فريدة تاني وسألها بصوت واطي ومتردد، وعينيه فيها ترجي
يا فريدة.. يا حبيبتي.. هي قالتلك إيه تاني؟ قولي لماما.. قصدي قولي لبابا كل حاجة.
البنت نزلت رأسها للأرض، وإيديها مسكت في طرف بلوزتها وجزت عليها جامد
قالتلي... إن أمي الحقيقية لسة عايشة.. وإن أنت خبيتها عني، وإن البنت اللي في الصورة مش أمي.
سليمان اتجمد في مكانه.. جسمه كله قشعر.
ومن وراه، نانسي وشها اصفر، ألوانها اترطفت، ورجعت خطوة لورا وكأن حد ضربها بالقلم!
رد الفعل ده بالذات كان الكفاية.. رد الفعل ده أكد لسليمان إن الموضوع مش مجرد غيرة ستات، ولا مجرد قسوة مرت أب على بنت جوزها.. لأ، الموضوع في إنّ كبيرة، وفي سر مخفي من سنين نانسي عرفته وطالعة تساوم بيه.
سليمان مسك إيد فريدة وقومها من الأرض، مسح دموعها بيده، وقالها بصوت هادي بس يقطع القلب
ادخلي أوضتك يا فريدة.. غيري هدومك المبلولة دي، وأنا هجيلك على طول.
البنت جريت على أوضتها وقفلت الباب بالراحة، وسابت سليمان ونانسي واقفين في وش بعض في الصالة.
أنتِ عرفتي منين؟ سليمان قرب منها بخطوات بطيئة، وعينيه كان فيها شرار.
نانسي حاولت تتصنع القوة وترفع رأسها
عرفت إيه؟ أنت هتسوق فيها؟ أنت فاكرني عبيطة؟ فاكرني مش عارفة إن فريدة دي مش بنت فريدة الله يرحمها مرتك الأولى؟ فاكرني مش عارفة إن البنت دي متبناة، أو جاية من الشارع، وأنت ممرطنا معاك ومكتبها باسمك واسم المرحومة؟
سليمان مسكها من دراعها بجنون بس من غير ما يرفع إيده عليها
اسمعي يا نانسي.. كلمة زيادة عن فريدة وسرك وسر أهلك كلهم هطلعه! قوليلي الحقيقة.. مين اللي قالك الكلام ده؟ ومين اللي قالك إن أمها لسة عايشة؟
نانسي ضحكت ضحكة صفرا، وسحبت دراعها منه بقوة
أوه! يعني الكلام صح؟ أنت طلبت مني الحقيقة؟ ماشي يا سليمان.. اللي قالتي هي أمها بنفسها! أمها اللي أنت فاكر إنها ماتت من ثمان سنين في حادثة العربية!
سليمان رجع خطوة لورا، حاسس إن السقف بيقع عليه
أنتِ بتقولي إيه؟ فريدة مراتي ماتت في المستشفى بين إيديا.. أنا اللي دفنتها بإيدي!
لأ يا حلو! نانسي قربت منه ووشها مليان غل أنت دفنت جثة محروقة ومتموهة.. لكن فريدة عاشت! عملت الحادثة وهربت، وسابتلك البنت عشان كانت خايفة منك ومن أهلك! ومن أسبوع بس، هي كلمتني.. جابت رقمي وكلمتني وقالتلي إنها عايزة بنتها، وإنها مستعدة تشتريها مني بمليون جنيه وتديني حقي لو ساعدتها تاخد البنت منك!
سليمان ضرب بيده على الترابيزة بكل قوته، الإزاز اتكسر، ودمه نزل على الأرض، بس هو مكنش حاسس بأي وجع جسدي.. الوجع اللي في قلبه كان أكبر بكثير.
أنتِ كدابة! أنتِ بتألفي نمرة عشان تطفشي البنت وترميها برة البيت! أنتِ طول عمرك بتكرهيها!
أنا مابكدبش يا سليمان! نانسي طلعت موبايلها من جيبها