المحكمه

لمحة نيوز

الفصل الأول: زلزال على منصة القضاة

​صمتٌ مريب ساد قاعة الجلسات، صمتٌ من ذلك النوع الذي يسبق العواصف الهوجاء. لم يكن يُسمع في القاعة سوي صوت أنفاسي المنتظمة، والصوت الخافت الصادر عن أنفاس طفلي الصغير "يوسف"، الملفوف في غطائه القطني الناعم.

​كان القاضي، المستشار جلال الشاذلي، رجلًا مهيبًا تجعدت جبهته بسنوات طويلة من الخيرة والوقار. حرك نظارته إلى أسفل أرنبة أنفه، ونظر بتمعن إلى الشنطة الحمراء ذات الجلد السميك التي وضعتها أمامه، ثم رفعت عينيّ بنظرة ملؤها الثبات نحو زوجي إبراهيم.

​كان إبراهيم يجلس على كرسي الدعامة الخشبي، وقد تلاشت من على وجهه تلك الابتسامة الواثقة التي دخل بها القاعة. حل محلها شحوبٌ مفاجئ، وكأن الدماء انسحبت دفعة واحدة من عروقه. إلى جواره، ساد التوتر حركة محاميه، الأستاذ سامح، الذي سارع بالوقوف وهو يزرر جاكيت بصلف محاولًا تدارك الموقف:

  • ​"سيادة القاضي! أعتد مع الموكلة ألا تخرج عن السياق القانوني للإجراءات! المتهمة—عفواً المدعى عليها—لا تملك تمثيلًا قانونيًا، وما تقدمه الآن خارج عن أصول الدعوى المقدمة منا بشأن إسقاط الحضانة لعدم الأهلية النفسية والصحية!"

​ضرب القاضي بمهدته الخشبية ضربة خفيفة ولكنها كانت كافية لإسكات القاعة بأكملها:

  • ​"جلسة المرافعة لم تنتهِ بعد يا أستاذ سامح. المحكمة هي من تقرر ما هو متعلق بالدعوى وما هو خارج عنها. تجلس مكانك."

​التفت القاضي إليّ، وبنبرة أهدأ قال:

  • ​"اتفضلي يا مدام... قولي ما عندك. الملف ده فيه إيه؟"

​أخذت نفسًا عميقًا، ونظرت إلى "الحجة كثرية" حماتي، التي كانت تجلس في الصف الأول للمشاهدين بجوار ابنتها شيماء. كانت كثرية تتطلع إليّ بعينين مليئتين بالغل، وتعدل من شالها الأسود بحركات متوترة. ابتسمت لها ابتسامة خفيفة، ثم عدت بنظري للقاضي وقولت بصوت واثق هز أرجاء القاعة:

  • ​"يا سيادة القاضي... جوزي إبراهيم، ووالدته، وأخته، جايين النهاردة قدام منصتك الكريمة يطالبوا بحضانة طفل عنده ست أيام. حِجتهم إني غير أهل نفسيًا وجسديًا، واستغلوا حادثة العربية اللي تعرضت لها وأنا في الشهر السابع من الحمل، وزوّروا تقارير طبية بياخدوا بيها حكم يدمر حياتي وحياة ابني. بس الملف اللي قدام سيادتك ده... مش مجرد دفاع. الملف ده بيثبت إن إبراهيم مش بس غير أمين على طفل... ده متهم في قضية الشروع في قتلي وتزوير مستندات رسمية واختلاس أموال الشركة اللي كنت شريكة فيها معاه!"

​شهقة جماعية صدرت من الحضور. وقف إبراهيم فجأة وهو يصيح بغضب:

  • ​"أنتي كدابة! أنتِ اتجننتي رسمي! يا سيادة القاضي دي مريضة نفسيًا وعندها هلاوس من أثر الحادثة!"

​ضرب القاضي بالطرقات ثلاث مرات متتالية بصوت أرجّ القاعة:

  • ​" السكوت في القاعة! التزم الأدب يا أستاذ إبراهيم وإلا هحسبها إهانة لهيئة المحكمة وأمر بحبسك فورًا! اتفضلي كملي يا مدام."

​فتح القاضي الملف الأحمر السميك. كانت الصفحة الأولى عبارة عن تقرير فني صادر عن إدارة الأدلة الجنائية بوزارة الداخلية، ملحق به فلاشة مدمجة ومجموعة من الصور عالية الدقة.

​وقلت بحزم:

  • ​"الملف ده يضم خمسة أجزاء يا فندم. الجزء الأول: تقرير فني للمعاينة اللي تمت للسيارة الخاصة بيا بعد الحادثة بأسبوع. التقرير بيثبت إن قطع أسلاك الفرامل ما كانش نتيجة التأكل ولا الحادثة... كان بقطع يدوي ومقص حاد. والجزء الثاني: تسجيلات كاميرات المراقبة الخاصة بالفرع الرئيسي للبنك، اللي بتثبت إن أخته شيماء كانت بتسحب مبالغ مالية ضخمة من حسابي الشخصي بتوكيل ملغي ومزوّر، بالتنسيق مع شقيقها في نفس اليوم اللي كنت فيه في العناية المركزة بين الحياة والموت!"

​الفصل الثاني: الأقنعة تسقط

​عمت الفوضى في صفوف الدفاع. انحنى المحامي سامح على إبراهيم يهمس له بسرعة وعصبية، بينما كان إبراهيم يتصبب عررقًا ويتلفت حوله وكأنه يبحث عن مخرج من هذه المصيدة.

​أتذكر جيدًا تلك الليالي المظلمة في المستشفى. بعد الحادثة، عندما أفقت في غرفة العناية المركزة وأنا أصارع لأجل بقاء جنيني حياً، كنت أسمع همساتهم بالخارج. كانوا يعتقدون أنني غائبة عن الوعي تحت تأثير المخدر. سمعت حماتي كثرية وهي تقول لإبراهيم بصوت خفيض: "أهم حاجة الولد ينزل سليم، وهي تتطلع من Hospital على المارستان، التقارير الطبية بتاعة الدكتور صديقك جاهزة وتثبت إن عندها صرع واكتئاب حاد.. الشركة والحسابات هتبقى باسمك كُليًا يا إبراهيم."

​في تلك الليلة، وعلى الرغم من آلام جروحي وغرز بطني، أقسمت ألا أبكي. مسحت دموعي في الظلام، وبدأت أخطط. كنت أعلم أن الاستسلام يعني ضياع طفلي وحياتي. استعنت بصديقة عمري المقربة، مريم، وهي مهندسة برمجيات وشخص أثق به ثقة مطلقة. أخرجت مريم لي هاتفًا سريًا صغيراً، ومن على سرير المشفى، بدأت أتحرك في الخفاء.

​كنت أجمع الدليل تلو الآخر:

راسلنا تفريغ كاميرات الشارع الذي وقع فيه الحادث.

وظفنا خبيرًا مستقلاً لفحص السيارة قبل أن يتم تكهينها.

تواصلنا مع محاسب الشركة الذي كان يخشى بطش إبراهيم، ولما علم بالدليل، قدم لنا المستندات الأصلية للتزوير الاختلاسي.

​عدت من أفكاري على صوت القاضي وهو يقلب الصفحات باهتمام شديد، وعيناه تزدادان صرامة مع كل ورقة يقرأها.

​قال القاضي بنبرة حادة موجهة لإبراهيم:

  • ​" الأستاذ إبراهيم... التقرير الطب الشرعي المرفق هنا يناقض تمامًا التقرير المقدم منك للمحكمة. التقرير بتاعك صادر من مستشفى خاص ويمضيه طبيب يدعى دكتور مدحت السويفي... بينما التقرير المرفق بالملف الأحمر صادر من لجنة ثلاثية بالمستشفى الجامعي القصر العيني، ويؤكد سلامة القوى العقلية والنفسية للمدعى عليها، ويشير إلى وجود شبهة جنائية في الحادث!"

تم نسخ الرابط