المحكمه

لمحة نيوز

​قالت حماتي كثرية متدخلة بصوت عالٍ وهي تقف من مكانها:

  • ​"يا سيادة القاضي! دي بتتبلى على ابني! دي واحدة كانت هتموت ابنها في بطنها عشان مهملة، ونحنا اللي شلناها وصرفنا عليها! دي جايبة كلام مزور عشان تاخد الشقة والفلوس!"

​وقف الحاج أحمد، أحد كبار رجال المنطقة والشهود الذين أحضرتهم معي، وقال بصوت جاهر من قاعة الحضور:

  • ​"اتقي الله يا أم إبراهيم! الكدب مالوش رجلين! شهدنا كلنا إنك كنتِ بترمها في البيت وهي حامل في الشهر الثامن وتخليها تعمل الشغل كله، ولما أغمى عليها سبتوها على الأرض لحد ما الجيران طلبوا الإسعاف!"

​ضجت القاعة بالهمهمات، وحاول المحامي سامح تدارك الموقف قائلاً:

  • ​"يا سيادة القاضي، نحن أمام دعوى حضانة، ما تطرحه المدعى عليها شائعات واتهامات جنائية محلها النيابة العامة وليس محكمة الأسرة!"

​ابتسمتُ بثبات، ورفعت رأسي وقولت:

  • ​"بالفعل يا أستاذ سامح... وعشان كده، الجزء الخامس من الملف الأحمر هو صورة رسمية من محضّر المحضر رقم 4582 جنايات الدقي، اللي أترفع للنيابة العامة أمس صباحًا، والنيابة أصدرت بالفعل أمر ضبط وإحضار للسيد إبراهيم والسيدة شيماء بتهمة الشروع في القتل والتزوير!"

​الفصل الثالث: دخول رجال الشرطة

​في تلك اللحظة بالذات، فُتحت الأبواب الخشبية الضخمة لقاعة المحكمة. دخل ضابط برتبة مقدم، يرافقه أمينا شرطة.

​اتجه الضابط بخطوات منتظمة نحو منصة القاضي، وأدى التحية العسكرية:

  • ​"مساء الخير يا فندم. المحكمة الموقرة، أنا المقدم هشام من مباحث الدقي. معانا أمر من النيابة العامة بضبط وإحضار المتهم إبراهيم عبد الله والمتهمة شيماء عبد الله، لتنفيذ قرار النيابة في القضية رقم 4582."

​سقطت الحجة كثرية على الكرسي وهي تصرخ وتلطم على وجهها:

  • ​"يا لهوي! ابني! ابني مظلوم يا ناس! يالي ما بتخافوش ربنا، هتاخدوا ابني من حضني؟!"

​أما شيماء، فأصيبت بنوبة بكاء هستيري وهي تخبئ وجهها في حقيبتها، بينما وقف إبراهيم مذهولًا، يلتفت حوله كالمجنون، ينظر إليّ وكأنه يرى شخصًا آخر غير تلك المرأة الضعيفة التي ظن أنه استطاع كسها.

​اقتربتُ خطوة واحدة منه، وأنا أضم طفلي "يوسف" لصدري، وقولت له بنبرة هادئة ولكنها أشد قسوة من كل ما مر به:

  • ​"فاكر يا إبراهيم لما كنت بتهددني في المستشفى وتقولي: 'أنتِ ولا حاجة من غيري، وهتاخدي طفلك وتروحوا على الشارع أو المارستان'؟ فاكر لما كنت فاكر إن سكوتي ضعف وخوفي استسلام؟ أنا ما كنتش بفرط... أنا كنت بسكت عشان أجمع الحبل اللي هتشتق بيه نفسك بنفسك."

​اقترب أمين الشرطة وكلّب يدي إبراهيم للBackground. نظر إبراهيم إلى القاضي متوسلًا:

  • ​"يا سيادة القاضي! أرجوك، خليني أتكلم! دي مؤامرة! دي عاوزة تاخد الشقة والشركة!"

​نظر إليه المستشار جلال الشاذلي بنظرة شزراء وقال بكل حزم:

  • ​"المحكمة لا تأخذ بالمؤامرات، المحكمة تأخذ بالأدلة والبراهين المستقرة في أوراق التحقيق. وبناءً على ما تقدم من مستندات جازمة وضاطعة، وأمر النيابة العامة الصادر بحقك..."

​طرق القاضي بالطرقات ونطق بالحكم:

  • ​"حكمت المحكمة حضورياً: أولاً: رفض دعوى إسقاط الحضانة المقدمة من المدعي إبراهيم عبد الله لعدم الصحة وإثبات كذب الادعاءات. ثانياً: إثبات حضانة الطفل الصغير 'يوسف' لوالدته. ثالثاً: إلزام المدعي بكافة المصاريف الأهلية وأتعاب المحاماة. رابعاً: تسليم المتهمين للجهة الأمنية لتنفيذ قرار النيابة العامة."

​الفصل الرابع: النصر والفجر الجديد

​تعالت الصيحات في القاعة، وتسربت مشاعر الراحة إلى قلبي كالمياه الباردة في يوم حار. شعرت وكأن ثقلاً بجبل كئيب كان يربض على صدري لسهر وأيام، قد أزيح دفعة واحدة.

​اقتيد إبراهيم وأخته شيماء إلى خارج القاعة وسط حراسة مشددة، ووراهم أمهما وهي تولول وتصرخ، لكن أحداً لم يعد يعيرهم اهتماماً. الحقيقة سطعت كالشمس، والظلم الذي طالما حاكوه في الخفاء انكسر عند أبواب الحق.

​اقتربت مني صديقتي مريم وشهقت بالدموع وهي تحتضنني:

  • ​"عملتيها يا مشيرة! والله العظيم كنت خايفة عليكي، بس طلعتِ بطلة!"

​ابتسمتُ وأنا أنظر لوجه ابني الصغير الذي كان نائمًا بأمان، غير مدرك للصراع الرهيب الذي دار حوله في هذه القاعة.

  • ​"الأم لما بتحارب عشان ابنها يا مريم... ما بتعرفش الخوف. هما كانوا فاكرين إني مكسورة عشان جروحي، بس ما عرفوش إن جروحي دي هي اللي بقت درعي."

​خرجتُ من باب المحكمة الكبيرة. كانت الشمس المشرقة تغمر درجة السلالم الرخامية بالدفء. تنفست الهواء النقي بعمق، لأول مرة منذ أشهر طويلة دون خوف أو قلق من المجهول.

​لم تكن الشنطة الحمراء مجرد حقيبة أوراق وثائق... كانت رمزا للحقيقة التي لا تُقهر، وشاهدة على أن المرأة التي تحمي طفلها تستطيع أن تهد جبال الظلم بوقفة واحدة وثبات لا يلين.

​نظرت إلى يوسف، وقبلت جبهته الصغيرة ببطء وقولت في سري:

"خلاص يا حبيبي... طالعين لدنيا جديدة، نضيفة، ومفيهاش حد يقدر يئذيك طول ما أنا عايشة."

تمت.. مشيره محمد 

تم نسخ الرابط