لما قررت اروح لدكتوره

لمحة نيوز


الكوباية الفضة اللي التحفظ عليها مع ضبط المتهمين، لقينا إنها خلاصة نبات الأفسنتين بتركيز سام جداً، المادة دي لما تندمج مع مادة الحقن اللي كان بيديها لها، بتنشط الشريحة لفرز نسب صغيرة من الزئبق.. النسب دي ما تقتلش الأم فوراً، لكن تسبب موت الجنين بالبطيء وتسمم أنسجة الرحم، عشان تضمن إن الأم ما تقدرش تخلف تاني بعد كدة!
وكيل النيابة اتصدم من التقرير
ما تخلفش تاني؟! ليه؟ إيه الدافع؟
في اللحظة دي، دخل العسكري وبلّغ عن ضبط وإحضار الدكتور أحمد محمود ووالدته حكمت عبد القادر، وإحالتهم للنيابة فوراً، ومعاهم المضبوطات اللي اتلقت في عيادة أحمد الخاصة.
في غرفة التحقيق بالنيابة، كان أحمد قاعد، وشه أصفر زي الليمونة، لكن عينيه كان فيها نظرة جمود وتبلد يرعب. أمه حكمت كانت قاعدة جنبه، لسة لابسة الحلق اللؤلؤ، بس الابتسامة اختفت تماماً وحل مكانها غضب مكتوم.
وكيل النيابة ضرب إيده على الطاولة بقوة
أتكلم يا دكتور أحمد! التقرير الطبي الشرعي أثبت وجود شريحة سامة جوة رحِم مراتك، والتحاليل أثبتت إن الحقن والمشروب اللي كنتوا بتدوهولها مواد سامة ومحظورة! إيه سر الجريمة البشعة دي؟!
أحمد سكت، باصص في الأرض ومش بيتكلم.
أمه حكمت هي اللي اتكلمت، بصوت حاد ومجرد من أي رحمة
إحنا ما قتلناش حد! إحنا بنحمي شرف العيلة ووراثتها!
وكيل النيابة بص لها بذهول
شرف العيلة؟! بتقتلي طفل جوة بطن أمه وبيدمروا رحِمها عشان شرف العيلة؟!
حكمت كملت كلامها ببرود مرعب
أحمد ابني عنده مرض جيني نادر في العيلة.. مرض بيتنقل للفتيات فقط، بيسبب تلف كامل في الأعصاب وشلل أطفال مبكر وفشل في جميع الأعضاء عند سن بلوغهم. العيلة عندنا فيها الجين ده من أجيال، وأنا جوزي مات بسببه بعد ما خلفنا بنت وتعبت وماتت في حضني وهي عندها 12 سنة!
أحمد لما اتجوز آية، كان متفق معايا إن لو جاب ولد يعيش، لكن لو جاب بنت.. لازم تنزل! بس آية كانت رافضة فكرة الإجهاض تماماً وكانت متمسكة بأي عيل يجيبوا ربنا.
أحمد ما كانش يقدر يقنعها بالطرق العادية ولا كان يقدر يصارحها بمرض عيلتنا عشان ما تطلبش الطلاق وتفضحنا برة.. فكان لازم الحمل ينتهي كأنه وفاة طبيعية! والشريحة دي أحمد اخترعها وعملها بنفسه عشان تضمن إن الجنين ينزل بدون ما أي دكتور يكتشف السبب، وتضمن إن آية ما تحملش تاني في بنات وتبوظ اسم العيلة!
وكيل النيابة وقف من طفيته، وشه راكبوا الغضب والاشمئزاز
أنتم مش بني آدمين! أنتم شياطين! عشان خايفين على اسم العيلة، بتسمموا ست مالهاش ذنب وتقتلو أطفالها وهم جوة بطنها؟! بتلعبوا بأرواح الناس وبحياة ست مأمناكم على نفسها وبيتها؟!
أحمد رفع رأسه لأول مرة، وكانت عينية مليانة دموع جنون وانهيار
أنا كنت بحميها! قسماً بالله كنت بحميها! لو كانت جابت البنت دي، كانت حتتعذب طول عمرها وهي بتشوف بنتها بتموت قدام عينيها حبة حبة! أنا ما كنتش عايز أديها الحقن، أمي هي اللي كانت بتضغط عليا! أنا بحب آية! أنا ما كنتش عايز أؤذيها!
حكمت بصت لابنها بجمود وقالت له
إسكت يا أحمد! ما تعيطش قدامهم! إحنا عملنا الصح اللي يحمي اسم عيلة المحمود!
وكيل النيابة أمر فوراً
يحبس المتهم أحمد محمود والمتهمة حكمت عبد القادر أربعة عشر يوماً على ذمة التحقيق، مع مراعاة تجديد الحبس، وتوجه لهما تهم الشروع في القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، والإجهاض الجنائي العمدي، والتسبب في عاهة مستديمة، وتداول وممارسة تجارب طبية حيوية غير مصرح بها على أجساد البشر!
مرت الأيام، وآية دخلت أوضة العمليات في المستشفى الجامعي. فريق كامل من أكبر جراحي النسا والتوليد وجراحي الأوعية الدموية كانوا موجودين.
العملية استمرت أربع ساعات كاملة. دينا كانت واقفة جوة الأوضة، تتابع كل ثانية.
بحرص شديد، ودقة متناهية، قدر الدكتور الجراح يوصل للشريحة الصغيرة، ويفصلها عن جدار الرحم بدون ما يلمس المشيمة أو يقطع التغذية الدموية عن الجنين.
أول ما طلعت الشريحة واتحطت في الأناء المخصص للأدلة الجنائية، جهاز نبض الجنين طلع صوت منتظم وقوي.. صوت دقات قلب الصغيرة وهي بتعلن تمسكها بالحياة.
بعد أسبوعين، كانت آية قاعد على كرسي متحرك في جنينة المستشفى، شمس الصبح دافية ونازلة على وشها.
الدكتورة دينا قربت منها وقعدت جنبها، وحطت إيدها على بطن آية اللي كبرت بوضوح.
دينا ابتسمت
التحاليل الأخيرة كلها سليمة يا آية. جسمك اتخلص تماماً من آثار السموم، والبنت كبرت وزدن وزنها الطبيعي.. قدامك أسبوعين بالضبط ونعمل عملية الولادة قيصري وتولدي بالسلامة.
آية بصت للسما، ودموع الارتياح نازلة على خدودها
الحمد لله يا رب.. الحمد لله إني خرجت من الجحيم ده. أنا كنت فاكرة إن السجن هو الأسوار والأبواب المقفولة.. بس اكتشفت إن السجن الحقيقي لما تسلم روحك وحياتك لحد فاهم إن الحب معناه امتلاك، وإن الحماية معناها إنه يقتلك بالبطيء وهو بيبتسملك.
دينا مسكت إيديها
أهم حاجة إنك قوية يا آية. إنك وثقتي في إحساسك وجيتي تكشفي وما خفتيش. النيابة أصدرت أحكام رادعة.. أحمد وأمه لبسوا القضية وتوجهت لهم أحكام مش اقل من 15 سنة سجن مشدد، ورخصته الطبية اتسحبت نهائياً وتشطب من نقابة الأطباء.
آية هزت راسها وابتسمت ابتسامة هادية، ولأول مرة من سنين حست إنها قادرة تتنفس بحرية كاملة، من غير ما تخاف من بكرة، ومن غير ما تسمع الكلمة المزيفة اللي كانت بتقتلها كل يوم
أنا بحميكي.
حطت إيديها على بطنها، وحست بحركة بنتها القوية جوة رحِمها، وكأن الصغيرة بتقولها إحنا عدّينا الكابوس خلاص.. وأنا جاية الدنيا عشان أعيش في النور معاكي.
تمت.. مشيره محمد

 

تم نسخ الرابط