تمن القسوة

لمحة نيوز

هنا دلوقتي. ليه؟ هي بتعمل إيه هنا؟ سكت ثانيتين، وبعدين قال هي اللي جابت الطفل المستشفى في أول لحظة لما الحالة ساءت وإحنا كنا بنحاول نوصل لك. حسيت الأرض بتتهز. إزاي؟ هي مش الدكتور قاطعني هي اللي أنقذته مرتين قبل كده من غير ما تقول لحد. المرة دي كان عندها كل أوراقه الطبية القديمة.
بصيت لها جوا الزجاج كانت بتتكلم مع ياسين بصوت واطي، كأنها بتطمنه. أنا هنا ما تخافش زي ما وعدتك. وقفت فجأة، وبصت ناحية الباب كأنها حست بيا. دخلت. سكت المكان كله. ندى ما اتحركتش، بس قالت بهدوء هو كويس بس محتاج مراقبة. قلت بصوت مخڼوق إنتي عرفتي منين إنه ابني؟ وإزاي كنتي عارفة حالته؟ سكتت لحظة وبعدين قالت الجملة اللي كسرتني أكتر من أي حاجة قبل كده لأني ما سبتوش يوم ما سبتني. بصيت لها مش فاهم.
كملت أنا ما مشيتش
أنا ما مشيتش بعيد يا أحمد.. أنا فضلت موجودة في نفس المنطقة، عايشة من خير أيدي وفي الضلمة، بس عيني كانت عليكم من بعيد.
سكتت ندى ثواني، ودمعة سخنة نزلت من عينها مسحتها بسرعة بظهر إيدها الناشفة، وكملت بصوت مبحوح
عمك قبل ما يموت، لما شاف قسوتك ودماغك الناشفة، كان عارف إنك هتتخلى عني. بس هو كان عارف كمان إن في دم في عروقك مش هتقدر تنكره. لما طردتني ورميتني في الشارع وأنا حامل، ورحت تجري ورا حياتك وعيشتك الفارهة مع شيرين، أنا قعدت في أوضة تحت الأرض، اشتغلت في البيوت وفي المستشفيات عشان أقدر أأكّل ابنك وأصرف على علاجه. ياسين مولود بعيب خلقي في القلب، حاجة وراثية من عيلة عمك، وكان محتاج مصاريف ومتابعة لا تتخيلها.
قربت منها خطوة، ورجلي مش شايالاني، ولساني اتعقد
طب.. طب طالما هو ابني، إزاي عايش معاها هي؟ إزاي شيرين فاكرة إنه ابنها؟!
ندى بصت لي بنظرة فيها كمية وجع ومرارة تعمي العين، وقالت
شيرين لما حملت منك، الجنين نزل في الشهر السادس من غير ما أنت تعرف، هي خافت تضيعك منها وخافت من كلام الناس، واتفقت مع الدكتورة تكتم على الموضوع لحد ما تلاقي حل. وفي نفس الوقت ده، أنا كنت بولد ياسين في نفس المستشفى الحكومي اللي شيرين كانت محجوزة فيه. شيرين لما عرفت إن ابنك مني اتولدت في رأسها فكرة شيطانية.. اشترت الذمم، وأخدت الولد وسجلته باسمها، ورضتني بفلوس عشان أختفي.. بس أنا أخدت الفلوس دي وصرفتها كلها على علاج الولد من وراكم، واشتغلت هنا في المستشفى دي بالذات عشان أكون قريبة منه.. ألمسه كل يوم وأنا بنضف الأوض، وأشوفه ويكبر قدام عيني من غير ما حد يحس!
في اللحظة دي، شيرين كانت واقفة عند باب العناية المركزة، وشها أصفر زي الميتين، ودموع الخوف والفضايح نازلة من عينها. صرخت بصوت مخنوق
كذابة! أحمد متصدقهاش! دي واحدة بيئة جاية تتطلي علينا وعايزة تأخد قرشين!
لفيت لشيرين، ولكرسي غرورها اللي اتهد في لحظة. قربت منها وبصيت في عينها بثورة مشتعلة
أنتِ عملتي كده؟ رميتي ابني من مراتي الأولى، وسرقتيه ونسبتيه لنفسك عشان خايفة على منظرك وقرك؟ أنتِ بني آدمة إيه؟!
شيرين وقعت على الأرض بتعيط بانهيار ومش قادرة تنطق بكلمة تانية.
في الوقت ده، جهاز القلب بتاع ياسين بدأ يفيص ويطلع صفارة متقطعة وسريعة.. الدكاترة والممرضات دخلوا يجروا، والمكان اتحول لخلية نخل. الدكتور خرجنا كلنا برة الأوضة.
فضلت واقف في الممر، ضهري محني، ماسك رأسي بين إيديا. بصيت لندى اللي كانت واقفة بعيد، ساندة ظهرها على الحيطة، بتدعي ربنا بقلب أم محروق، هدومها زرقاء وباهتة، بس روحها أطهر وأعظم من مليون واحدة زي شيرين.
قربت من ندى ببطء، ودموعي نزلت لأول مرة من سنين. وقعت على ركبي تحت رجليها، نفس الرجلين اللي شيرين رمت تحتها العشرين جنيه.
ندى.. أنا آسف. أنا كنت أعمى وندل.. الشيطانة دي زغلتلت عيني، وأنا رميت النعمة بكسرة نفس. ادعيلي بس ياسين يقوم بالسلامة، والله العظيم لأعوضك عن كل لحظة ذل وعن كل نقطة عرق نزلت منك.
ندى بصت لي بأسى، وهزت رأسها بقلة حيلة
المسامحة مش بكلمة يا أحمد.. المسامحة بتدفع ثمنها من عمرك. أنا مش عايزة منك حاجة، ولا عايزة عيشة هوانم. أنا كل اللي فارق معايا إن الولد ده يعيش ويتعالج صح.
بعد ساعتين رعب، خرج الدكتور وهو بيمسح عرقه، وابتسم بتعب
الحمد لله.. الأزمة عدت على خير، قدرنا نثبت ضربات القلب، وهو دلوقتي محتاج راحة تامة.
غمضت عيني وسجدت على أرض الممر المبلولة بدموع الندم.
بعد الأزمة دي، كل حاجة اتغيرت. طلقت شيرين فوراً وطردتها من حياتي بعد ما انكشف زيغها وأنانيتها. ورفعت قضية إثبات نسب لياسين لندى عشان أرجع لها حقها القانوني والأخلاقي قدام الدنيا كلها.
حاولت أرجع ندى لزمتي، بس هي رفضت بقوة وقالت لي الجرح لما بيبصم في العظم، مابيدواش بجوازة جديدة.. أنا هفضل أم ياسين، وهتفضل أنت أبوه، هتعالجه وتصرف عليه، بس أنا كرامتي اللي اتدست تحت الجززمة يوم ما طردتني مش هترجع غير وأنا عايشة بلقمتي وعرقي.
عشت بقية حياتي بخدم ندى وابني من بعيد لبعيد، بقيت أنا اللي بدور على رضاها، وأنا اللي شايل عبء الذنب اللي عمري ما هقدر أخلعه من قلبي.. وعرفت إن أقسى عقاب
ممكن ربنا يعاقب بيه البني آدم، إنه يخليه يشوف الحق بعينه بعد ما يكون فات الأوان
تمت مشيره محمد.

تم نسخ الرابط