الصقر الثائر. مشيره
من رمزي عشان يحموه... طارق قال بصوت واطي بس يرعب، الشركة اللي بتدفعلكوا مرنباتكم أفلست من خمس دقائق. والاسم ده... طارق رمى ورقة على الأرض فيها صور حراس رمزي وسجلاتهم القديمة، ... السجلات دي لو وصلت للشرطة، كل واحد فيكم حياخد عشر سنين سجن. قدامكم خمس ثواني تختفوا من القدامي.
الحراس بصوا لبعض، وبصوا لأوراقهم، وبصوا لرمزي اللي كان بيصرخ فيه أنتم واقفين تتفرجوا؟! اخلصوا عليهم!
في أقل من ثلاث ثواني، الحراس سابوا المفاتيح على الكابوت ومشوا بسرعة، وسابوا رمزي واقف في الشارع لوحده زي العريان.
رمزي بدأ يترعش. التليفونات مش بتوقف رن. حلفاؤه من كبار المسؤولين اللي كان فاكرهم جدار يحميه، واحد ورا الثاني بيقفلوا خطوطهم في وشه بعد ما الأوراق والمستندات المهربة وصلت لمكاتب التحقيق العليا. النفوذ اللي بناه في ثلاثين سنة، انهار في أقل من ثلاث ساعات.
ركب عربيته بالعافية، وإيديه بتترعش على الدركسيون، وطار على مخزنه السرّي في الميناء، المكان الوحيد اللي فاكر إن فيه بضاعته وفلوسه الكاش اللي مخبيها للزمن.
وصل الميناء، ينفخ ويهرت، فتح الباب الصدي بتاع المخزن الكبير...
بس أول ما الباب اتفتح، اتصدم.
المخزن كان فاضي تماماً. مفيش صندوق واحد. مفيش أي حاجة غير كرسي خشب واحد محطوط في نص الصالة الفاضية، وإضاءة صفرا نازلة عليه من السقف.
وعلى الكرسي ده... كنت قاعد أنا.
لابس القمحيص الدبلان بتاعي، والجزمة القديمة، وجنبي جردل المسح والمساحة اللي بشتغل بيهم في المحكمة.
رمزي رجع خطوة لورا، وشبه اتجنن لما شافني إنت... إنت مين؟ إنت الراجل بتاع النظافة اللي في المحكمة؟ إنت بتعمل إيه هنا؟! فين حاجتي؟ فين فلوسي؟!
قمت من على الكرسي ببطء. مشيتي مكنتش مشية الراجل العجوز المكسور اللي بيشوفه كل يوم في الممرات. كانت مشية ضابط الصاعقة اللي راجع من معركة.
قربت منه، وكل خطوة مني كانت بتخليه يرجع لورا لحد ما ظهره خبط في الباب الحديد.
أنا حسام... قلت ونبرة صوتي خلّت شعر جسمه يقف. أنا الأب بتاع الولد اللي إنت ضربته بالنار أمبارح وضحكت وهو بيصرخ.
رمزي بصللي بذهول وهو مش مصدق إنت؟! إنت اللي عملت كل ده في كم ساعة؟ إنت مين ياض إنت؟!
ابتسمت ووضيت وشي منه لحد ما بقيت في مستوى عينيه اسم المهن والأنصبة ميهمنيش... المهم إني الراجل اللي إنت افتريت على ابنه. إنت كنت فاكرني مجرد مسكين ملوش ضهر، فاكر إن البدلة والنفوذ بيخلوك فوق البشر.
رمزي حاول يطلع مسدسه من جيب جاكتته بسرعة، بس قبل ما إيده تلمس القارب، مسكت معصمه وضغطت على نقطة عصب معينة. رمزي صرخ من الوجع والمسدس وقع على الأرض. مسكت المسدس برجلي وزقيته بعيد.
مسكته من ياقة بدلت الغالية ورفعته لفوق لحد ما أقدامه بقت بتلمس الأرض بالعافية.
سمعني تاني كده... قلتله وأنا ببص جوة عينيه المذعورة، كنت بتقول ليوسف إيه وهو بيبكي؟ متبصليش كده تاني؟
أرجوك... رمزي بدأ يبكي، الدموع نازلة على خده والنفوذ كله طار، أنا... أنا معرفش إنه ابنك! أنا هسدد كل مصاريف العلاج! هسافر بيه بره! هعوضكم بملايين!
ضربته بالبوكس في بطنه نزلته على ركبتيه.
وقع على الأرض بينهج وبيتكعبل في رجلي.
مسكت المساحة بتاعتي، وحطيت الخشب بتاعها على ركبتيه الاثنين وضغطت رجلي عليها ببطء. رمزي صرخ صرخة هزت أركان المخزن الفاضي.
المرض والوجع مش بفلوسك يا رمزي... قلتله بصوت هادي كأني بقص عليه حكاية. ابني هيقعد سنتين مش قادر يمشي... بس إنت، إنت مش هتقدر تمشي في الشارع تاني مرفوع الرأس يوم واحد.
رفعت رجلي من عليه، وبصيت لطارق اللي كان واقف عند الباب معاه اثنين من الرجالة.
طارق...
أوامرك يا صقر.
الأوراق اللي مع الشرطة والمباحث كفيلة بإنها تخليه يقضي باقي عمره في السجن. نادولوا عربية النيابة والمباحث تاخده من هنا. مش عايز أشوف وشه تاني.
رمزي كان مرمي على الأرض، بيبكي وينتحب، زي العيل الصغير، النفوذ والفلوس والرجالة كلهم تبخروا، وما فضلش غير راجل مكسور خايف من مصيره المحتوم.
سيبته وخرجت للشارع.
الشمس كانت بدأت تشرق، والشعاع الذهبي مالى الأفق. قلعت النظارة ونفخت نفس طويل، حسيت إن الصخرة اللي كانت على صدري انزاحت.
رجعت المستشفى.
دخلت أوضة يوسف. سارة كانت نايمة على الكرسي من التعب. يوسف كان صحي، وباصص للشباك وعلى وشه علامات اليأس.
قربت منه وقعدت على طرف السرير.
صباح الخير يا بطل، قلتله وانا ببتسم.
يوسف بصلي بصوت مكسور بابا... رمزي... الراجل ده مش هسيبنا في حالنا صح؟ هو أقوى منا يا بابا.
مسكت إيد ابني بين إيديا الاثنين، وضغطت عليها بدفء مفيش حد أقوى من الحق يا يوسف. رمزي اتقبض عليه، وكل أشراره ونفوذه انتهوا للابد. مش هيقدر يلمس شعرة منك ولا من أي حد تاني.
يوسف بصلي بستغراب وهو مش مصدق اتقبض عليه؟ إزاي؟ ده كان بيقول إنه بيمتلك البلد!
ابتسمت وغمزتله أبوك صحيح راجل معاه مساحة وجردل... بس بيعرف ينظف القذارة كويس قوي لما تزيد عن حدها.
يوسف ضحك لأول مرة من أمبارح، ضحكة خفيفة رجعت الروح لوشه الأبيض.
بابا... يوسف قال وهو بيحاول يتعدل، الدكتور قال إني هحتاج وقت طويل عشان أمشي.
بوست رأسه قلتله بثبات لو احتجت سنتين، هكون جنبك كل يوم. ولو احتجت تشيلني عشان تمشي، هشيلك على كتفي زي ما كنت بشيلك وأنت صغير. المهم إنك بخير، واللي ظلمك أخد جزاؤه.
بعد سنتين...
الصالة الرياضية في النادي
كانت زحمة بالمشجعين. أطراف الصالة مليانة ناس بتشجع وتهتف.
كنت قاعد في الصف الأول مع سارة، إيدي في إيدها.
وفجأة، المذيع الداخلي صرخ في المايك ونرحب بكابتن الفريق، اللي رجع للكتيبة بعد رحلة علاج طويلة... يوسف حسام!
الصالة كلها اهتزت بالتشجيع.
يوسف نزل الملعب، واقف على رجليه الاتنين بثبات، لابس شورت الفانلة الرياضية، وجري بمهارة بالكرة وسجل أول نقطة في الماتش.
بصلي في المدرجات، ورفع إيده وابتسم.
رديت له الابتسامة وأنا بحط إيدي في جيبي.
في الجيب ده، كان فيه ميدالية معدنية قديمة من أيام زمان... الميدالية اللي سيبتها وركبت مكانها المساحة والجردل. بس اليوم ده، عرفت إن حماية العيلة مش محتاجة ألقاب ولا مناصب... محتاجة بس راجل يعرف إزاي يكون أب.
تمت القصة كاملة. شكراً لكل من دعمنا بكلمة تم وأبدى إعجابه. شاركونا رأيكم في التعليقات ودعمكم هو اللي بيخلينا نستمر في تقديم أروع القصص! رروايات بقلم مشيره محمد