المخدة
أنا اسمي مريم. اتجوزت وأنا عندي ٢٦ سنة، ودخلت عيلة متفككة من الصح للغلط. حماتي، اسمها ماريا، كبرت أربع عيال من شقاها في أرض الصعيد بجنوب أسيوط. ست شقيانة، طول عمرها وسط المواشي وفي الغيط، ولا كان ليها معاش ولا حيلة ولا سند غير ذراعها.
على ما جيت أنا، كانوا عيالها كل واحد راح لحاله، والمدن خدتهم، وقليل لما بيفتكروها بزيارة في الأعياد أو المواسم، وحتى الزيارة دي كانت بتبقى بطلوع الروح وكأنهم جايين تأدية واجب. قبل ما تموت بسنتين، صحتها كانت بدأت تروح، فالعيال اجتمعوا في ليلة وقالوا بكل بجاحة: «إحنا نوديها دار مسنين في البندر تكون رخيصة، ونبيع البيت والأرض، وناخد كل واحد قرشين ينفعوه».
ساعتها وقفت في وشهم وقلت بصوت هز البيت: «على جثتي! الست دي خدمتكم ودعكت عضمها عشان تكبركم، مش هييجي اليوم اللي ترموها فيه زي المتاع القديم. أنا هشيلها في عينيا وعلى راسي من فوق». ومن اللحظة دي، بقيت أنا العدوة الأولى بالنسبة لهم، بقوا يبصوا لي على إني العائق اللي واقف بينه وبين الفلوس.
جوزي جرجس كان راجل طيب بس على باب الله، شغال سواق نقل ثقيل، بيكر تدور السواقة ويسافر بالأيام والأسابيع، فكنت بقعد بالثلاث والأربع أسابيع لوحدي في البيت القديم ده مع ابني الصغير مينا وحماتي ماريا. أطبخ، وأروق، وأغسل، وأحمّيها، وأقوم في عز كحيل الليل ثلاث وأربع مرات بس عشان أطمن هي بتتنفس ولا لأ. ١٢ سنة على الحال ده، ١٢ سنة وأنا شايلة الليلة كلها لوحدي من غير ما أفتح بؤي ولا أشتكي.
في مرة، من كتر التعب والهدد، وجسمي كله كان بيوجعني من الشيل والتحطيط، قعدت أعيط جنب سريرها. كانت حاسة بيا، رفعت إيدها المليانة تجاعيد بالعافية، ومسكت إيدي بالراحة وقالتلي بصوت واطي ومبحوح: «عشان كده يا بنتي... عشان كده ربنا هيحطك في مكانة تانية خالص. الحق مش بيموت يا مريم، والخير اللي بتزرعيه هتحصديه ولو بعد حين».
الشتا اللي فات ده كان أصعب شتا مر علينا في أسيوط. طوبة كان جايب ألعن ما عنده، ليلة كان الهوا فيها بيلطش في الشبابيك الخشب القديمة والبيت ساكت زي المقابر. كنت قاعدة جنبها حاطة اللحاف عليها وبدلك رجليها الساقعة. فتحت عينها فجأة، وبصت لي ببريق غريب، وشاورت بإيدها بتترعش على المخمدة القديمة المتنسلة اللي بتنام عليها من سنين طويلة... مخمدة قماشها دايب وريشها متبهدل. همست بالعافية وهي بتتخنق: «عشانك يا مريم... ليكِ أنتي بس. جوه... احميها منهم». وبعدها على طول، إيدها اترخت في إيدي، وعينها اتثبتت على السقف. ماريا ماتت.
بعد يومين بس من الدفنة، وقبل ما صوان العزا حتى يتقفل، الغربان نزلوا على البيت. باقي العيال جوم هجوم، مش عشان يترحموا على أمهم، لأ... عشان يفضوا المكان، ويفتشوا في الكراكيب، ويقسموا التراب.
سمعت أخت جوزي، بربارة، جوه أوضة ماريا، ماسكة أكياس زبالة كبيرة وبترمى فيها حاجتها. دخلت لقيتها بتقول بقرف وهي حاطة إيدها على مناخيرها: «الأوضة ريحتها تطس الخيل! إيه القرف ده؟!» مسكت المخمدة القديمة من على السرير ومسكت مقص كبير في إيدها التانية وقالت: «أنا هقص الوساخة دي أعملها مساحات للأرض، بدل ما تفضل مرمية كده».
زعقت فيها وأنا بنط عليها وبحاول أشد المخمدة من إيدها: «إياك تلمسيها! دي أثرها اللي فاضل، سيبي حاجة أمك في حالها يا بربارة!»
اتعافينا على بعض، هي تشد وأنا أشد، وبشدة غل واحدة منها، القماش الدايب اتقطع من الجنب بصلية ناشفة، وريش النعام والأوز الأصفر المكتوم طار في الأوضة زي العاصفة، ملأ المكان وغطى وشوشنا.
بربارة بصت لي بابتسامة شريرة وضحكت بشماتة: «اشبعي بزبالتك يا مريم! مسحتي ريالتها وقرفها ١٢ سنة، وده ورثك الكبير... مخمدة معفنة ومتقطعة. خدي الريش اكنسيه واعملي بيه شلتة تنفعك!» ورزعت الباب وراها وخرجت تضحك مع إخواتها في الصالة.
لميت الريش من على الأرض وأنا دموعي نازلة من القهر، خدت المخمدة المتقطعة وحطيتها تحت باطي وطلعت بيها على المطبخ.
على نص الليل، والبيت ساكت تماماً بعد ما العيال مشوا، قعدت على الترابيزة الخشب القديمة في المطبخ. النور كان ضعيف وبيعدش. بصيت للمخمدة المتقطعة. كلام ماريا قبل ما تموت بثواني كان بيرن في ودني زي الأجراس: «عشانك يا مريم... ليكِ أنتي بس. جوه».
حطيت إيدي جوه الفتحة المتقطعة. بدأت أفتش وسط الريش الصغير والناعم. صوابعي كانت بتغوص، لحد ما عدت طبقة الريش الأساسية، ولمست حاجة غريبة... البطانة الداخلية للمخمدة مكانتش قماش عادي، كان فيه جيب مفصل بطريقة يدوية متقنة ومتخيط بخيط غزل ثقيل جوه الحشو.
حسيت بحاجة ناشفة، تقيلة، وتلج.
صوابعي مسكت طرف الجيب ده، وشديت. طلعت لفافة كبيرة، ملفوفة بـ ١٥ أو ٢٠ طبقة من البلاستيك الأسود ومربوطة بشريط لحام عريض جداً.
جسمي كله بدأ يترعش. جيبت سكينة المطبخ الصغيرة، وبإيدين مش قادرة تثبت، بدأت أقطع في طبقات البلاستيك واحدة ورا التانية. كان البلاستيك بيفك وبيطلع ريحة نفاثة... ريحة شمع عسل، وزيت زيتون، وعتق سنين.
ولما قطعت آخر طبقة وفردت المشمع... دمي اتجمد في عروقي من الصدمة، وقفت متسمرة مش قادرة أتنفس.
قدامي على الترابيزة، تحت النور الصفر الخافت، كان فيه أربع حاجات خلوا عقلي يطير من رأسي.