المخدة
أول حاجة: كيس قماش ثقيل مليان جنيهات ذهب ملكية قديمة، من أيام الملك فاروق وفؤاد، لمعتهم كانت تخطف العين، متستفة فوق بعضها بعناية.
تاني حاجة: علبة صفيح صغيرة، فتحتها لقيت فيها الغوايش والكرادين الذهب بتوع عيلة ماريا القدام، الذهب البلدي الصافي اللي وزنه يوزن بلد، اللي كانوا إخوات جرجس فاكرين إن أمهم باعتهم من ٣٠ سنة عشان تصرف عليهم.
تالت حاجة: لفافة ورق أصفر دايب، مفروضة ومتخيطة في جلد. لما فتحتها، لقيتها حجة ملكية أصلية وموثقة من المحكمة سنة ١٩٥٨، لبيت بحري وخمس أفدنة في أحسن حوض في البلد، باسم "ماريا جرجس". والأرض دي العيلة كانت فاكرة إنها مشاع أو ضايعة في الأوراق، لكن الحجة الأصلية المسجلة كانت هنا!
ورابع حاجة، كانت ظرف أبيض مقفول بشمع أحمر، مكتوب عليه بخط إيد مكسر وعافية، خط ماريا اللي اتعلمته في مدارس الأحد زمان:
«لابنتي اللي ما ولدتهاش... مريم».
فتحت الظرف بدموع مغرقة وشي، وقريت الجواب:
«يا مريم يا بنتي...
لو بتقري الكلام ده، يبقى أنا بقيت عند ربنا. العيال دول من بطني، بس أنتي اللي كنتي أمي. هما استكتروا عليا اللقمة والدوا، وأنتي كنتي بتبطني إيدي لما أصرخ من الوجع.
الذهب ده ورثته عن أمي وما رضيتش أطلعه لعيالي لما كبروا لأنهم كانوا هيضيعوه في القمار والشرب والمظاهر. والأرض دي كتبتها باسمك بيع وشراء ومسجلة في الشهر العقاري، العقد جوه مع الحجة، عشان محدش فيهم يقدر ياخد منك سم واحد بعد موتي.
البيت ده والأرض دي والذهب ده بتوعك أنتي ومينا ابنك. هما فاكرين إنهم سابولك الزبالة والريش، ما يعرفوش إنهم سابولك عمري كله.
اعفي عني لو تعبتك يا مريم، وافتكريني بدعوة في صلاتك».
قعدت على الأرض في المطبخ، حاضنة الخريطة والذهب والجواب، وبكيت بكا سينين. بكيت مش بس من الفرحة أو الصدمة، بكيت لأن العدل لما بييجي من ربنا وبيجبر الخاطر، بيبقى له طعم يخلي الجسم يقشعر.
ثاني يوم الصبح، جوم إخوات جرجس الأربعة، بربارة وإخواتها الرجالة، وجايبين معاهم سمسار أراضي من البندر، ومعاهم ورق يتامى عايزين يخلوني أوقع عليه بالعافية عشان يبيعوا البيت والأرض.
دخلوا الصالة بكل جلافتهم. بربارة قالت بصوت عالي وهي بتلوح بإيدها: «يلا يا مريم، لفي كراكيبك وخد ابنك وانزلي بيت أبكي. البيت ده هيتباع النهاردة، وإحنا مش ملزمين بيكي خلاص. كتر خيرنا إننا سيبناكي قاعدة الأسبوعين دول».
طلعت لهم من المطبخ. كنت لابسة أسود في أسود، بس المرة دي ما كنتش مكسورة ولا عيني في الأرض. كنت واقفة بطولي، وبصيت لهم في عينيهم واحد واحد.
جرجس جوزي كان واقف وراهم، محتار وخايف منهم ومكسور الجناح. بصيت له قلت له: «تعال اقف جنبي يا جرجس... تعالى جنب مراتك».
بربارة ضحكت بسخرية: «مراتك إيه وزفت إيه! بقولك البيت هيتباع، والسمسار أهو جايب العربون!»
مسكت الشنطة المتروسة أوراق، وطلعت منها عقد البيع والشراء المسجل، والحجة الملكية الأصلية، وحطيتهم على الترابيزة الخشب في الصالة.
«البيت ده بيتي... والأرض دي أرضي. وأمكم الله يرحمها بايعة ومفضية ليا أنا ومينا من ثلاث سنين، والأوراق متسجلة في المحكمة والشهر العقاري بأختام الدولة».
السمسار مسك الورق، نظارته نزلت على مناخيره، وبدأ يقرأ بذهول. بعد دقيقتين، بص لإخوات جرجس وقال وهو بيكتم غيظه: «يا جماعة أنتوا جايبيني أشتري إيه؟ الورق ده سليم مية في المية ومسجل نهائي! الست ماريا بايعة كل حاجة للمدام مريم، مالكوش ولا شبر هنا!»
وش بربارة بقى زي الطماطم المسبكة، وإخواتها الرجالة عينيهم اتوسعت من الهول. بربارة زقت السمسار وزعقت كأنها مجنونة: «ورق إيه؟! تزوير! دي ضحكت على أمتي وهي خرفانة! دي سرقت أمنا!»
رديت عليها بمنتهى الثبات والهدوء، وبصيت في وشها بثقة: «أمي ما خرفتوش يا بربارة. أمكم كانت أوعى منكم كلكم. أنتي لما شقيتي المخمدة إمبارح ورميتي الريش في وشي، كنتي فاكرة إنك بترمولي الزبالة... بس أمك هي اللي سابتلي شقا عمرها، لأنها عرفت مين اللي صانها ومين اللي كان مستني موتها عشان يورثها».
واحد من إخواتها حاول يمد إيده على الورق، جرجس وقف في وشه المرة دي وزقه بعنف، وقال بصوت هز الحيطان: «إياك تمد إيدك! ١٢ سنة وأنتوا راميين أمكم ليا ولمراتي، ولا واحد فيكم جه جاب لها شريط دوا! المترية دي هي اللي شالتها وهو ده عدل ربنا!»
خرجوا من البيت يجروا أذيال الخيبة، يشتموا ويهددوا بالمحاكم، بس أوراق ماريا كانت مقفولة بالضبة والمفتاح، ومحدش قدر يمس شعرة من حقنا.
أخدنا الذهب، بعنا جزء منه، وعمرنا البيت القديم وخليناه زي القصر. والأرض أحييناها وزرعناها خير، ومينا ابني كبر ودخل أنضف مدارس، وبقى كل يوم يترحم على ستو ماريا.
المخمدة المتقطعة دي... أنا ما رميتهاش. خيطت الجنب المتقطع بغرز عريضة، وحطيتها في صدر الصالة في أحسن مكان. كل ما حد يزورنا ويسألني عن المخمدة القديمة دي، أبتسم وأقولهم: «دي مش مخمدة... دي جبر الخاطر اللي ربنا بعته لي وسط الريش».
تمت. _مشيره_محمد