العوده....

لمحة نيوز

روايات مشيره محمد 

الجزء الثاني

​وقفت متسمرة مكاني والراجل الضخم ده بياخد خطوتين لجوة. خطواته كانت تقيلة، وجزمته بتخبط في الأرض بطريقة ترعب. كان بيبصلي بنظرة مفيهاش أي رحمة، زي ما يكون بيعاين بضاعة هيرميها في الشارع.

​فاطمة أختي اتنفسِت بصوت عالٍ، وبصتلي والابتسامة الخبيثة رجعت لوشها تاني، بس المرة دي كانت ابتسامة ثقة. قربت منه ووقفت جنبه وقالتلي بنبرة كلها تشفي: "عرفتِ ليه بقى بقولك ماكانش ينفع ترجعي يا نورهان؟"

​أنا كنت حاسة إن قلبي هيقف، بس حاولت أمسك نفسي وما أظهرش خوفي. بصيت للورقة اللي رمادها على الترابيزة. كانت ورقة رسمية مختومة بختم نسر. قربت إيدي بخطوات بطيئة ورفعتها عشان أقرأها.

​كانت عقد بيع نهائي ورسمي للشقة باسم فاطمة، وموقع عليه بالبصمة... بصمة أمي! وتحت البصمة شهادة طبية مؤرخة من سنة، بتقول إن أمي بكامل قواها العقلية وقت البيع، وإنها باعت الشقة لفاطمة مقابل مبلغ مالي كاش!

​رفعـت عيني بفزع وبصيت لفاطمة: "إيه ده؟ أمي تبيعلك الشقة؟ الشقة دي أنا اللي دافعة ثمنها قرش بقرش من شغلي في الغربة! أنتِ زوّرتِ بصمتها واستغليتِ مرضها يا فاجرة؟"

​فاطمة ضحكت بصوت عالٍ وشرير: "تزوير؟ اتكلمي بأسلوب أحسن من كده يا شاطرة! الورق رسم ومسجل في الشهر العقاري، والشهادة الطبية من أكبر دكتور معتمد. أنتِ كنتِ مسافرة وناسبة أمك، ومفكرة إن شوية الفلوس اللي بتبعثيها هي اللي هتخليكي صاحبة الملك؟ أنا اللي كنت شايلاها وحابساها هنا!"

​الراجل الضخم قرب خطوة كمان، وصوته يطلع جاف ومبحوح زي صوت حديد بيحتك ببعضه: "اسمي معلم صابر... والشقة دي أنا اشتريتها من الأستاذة فاطمة بعقد ابتدائي ودفعت عربون نص مليون جنيه، ومستني التسليم. يعني حضرتك هنا مالكيش أي لازمة، ولو مش هتمشي بذوقك، هتمشي بطريقة تانية خالص مش هتستلطفيها."

​السكان الثلاثة اللي كانوا قاعدين على الترابيزة—شابين ومؤجر تاني—قاموا من أماكنهم مخضوضين. واحد منهم قال بصوت مرعوب: "يا جماعة إحنا مالناش دعوة بالمشاكل العائلية دي، إحنا دافعين إيجار ست شهور مقدم لفاطمة هانم!"

​فاطمة بصت للمؤجرين وقالت بثقة: "ما تقلقوش يا جماعة، دي أختي وراجعة من السفر بتخرف، موضوع عائلي وهينتهي حالاً. انزلوا أنتوا شققكم دلوقتي."

​السكان انسحبوا بسرعة من الصالة ونزلوا جري على السلالم، وسابوني لوحدي مع فاطمة والمعلم صابر اللي سد الباب بجسمه.

​بصيت للمعلم صابر وقلت بثبات حاولت أجمعه بالعافية: "يا معلم صابر، أنت بتشتري مال حرام. فاطمة سرقت أمي واستغلت ألزهايمر اللي عندها. أنا معايا كشوفات حساب من البنك بتثبت إن كل مليم اندفع في البيت ده جاي من حسابي في السنغافورة، وأمي محبوسة في البدروم تحت ومغيمة بالمنومات عشان ما تتكلمش! أنت كدة بتشترك في جريمة استغلال عاجز وتزوير!"

​صابر بص لفاطمة بنظرة شك صغيرة، وبعدين بصلي وضحك بسخرية: "يا أبلة نورهان... أنا راجل سوق، والورق اللي معايا قانوني. البنك بتاعك والورق بتاعك ده تبليه وتشربي ميته في المحاكم. المحاكم بتقعد بالسنين، وأنا راجل مستعجل ودافع فلوس. قدامك نص ساعة تلمي حاجاتك وتاخدي أمك معاكي، وإلا هرميكم أنتوا الاتنين في الشارع بالهدوم اللي عليكم!"

​فاطمة قربت مني وقالت بصوت واطي في ودني: "سمعتِ المعلم قال إيه؟ خدي الكركوبة اللي تحت دي وامشي بيها قبل ما أطلبلك البوليس وأتهمك باقتحام ملك غيرك!"

​في اللحظة دي، حسيت بغضب مش طبيعي بيجري في عروقي. الدموية المصرية والغل اللي جوايا من الغربة والشقا اللي راح هدر انفجروا. بصيت لفاطمة وقلت بصوت حاد هز الصالة: "أنا مش ماشية من هنا يا فاطمة... والبيت ده مش هتاخديه، حتى لو كان على جثتي!"

​فاطمة اتنرفزت وبصت لصابر: "انزل طلّع الولية اللي تحت دي وارميهم برة يا صابر!"

​صابر تحرك ناحية باب البدروم، بس أنا رميت نفسي قدامه ووقفت في وشه. صابر زقني بإيده بقلة أدب وقوة أترمت بيها على الكنبة.

​فاطمة ضحكت بشماتة، وصابر نزل سلالم البدروم وهو بيتكلم في الموبايل وبيقول لحد: "انزل يا زيكو هات العربية من تحت عشان هنرمي شوية كراكيب."

​أنا قمت بسرعة والدموع في عيني من العجز، بس افتكرت حاجة مهمة أوي... افتكرت إن قبل ما أدخل العمارة دي، أنا ما كنتش لوحدي!

​قبل ما أرن الجرس بساعة، لما شفت الإعلان، كلمت الأستاذ فتحي، محامي العيلة القديم وصديق والدي الله يرحمه، وشرحتله الوضع في السريع وبعتله موقع العمارة، وقال لي: "أنا جايلك وفي إيدي حاجة مهمة، بس أوعي تعملي مشكلة لما تدخلي لحد ما أجيلك."

تم نسخ الرابط