القسوة بقلم مشيره محمد
بغزارة، وسقط على ركبتيه أمام الكرسي المتحرك في منتصف الممر، أمام مرأى ومسمع من الممرضات والأطباء.
سامحيني... أرجوكي يا أمل، أنا مستعد أعمل أي حاجة. استقيل من المستشفى، أسيب الطب خالص، أكون تحت رجليكي... بس بلاش تدمريني وتسيبيني. أنا ضعت من غيرك روايات مشيره محمد
نظرتُ إليه من الأعلى. في الماضي، كنتُ أرى هذا الرجل كجبل أستند عليه. أما الآن، فلم أكن أرى سوى حطام إنسان رخيص.
أنت دمرت نفسك بنفسك يا شريف. والطب؟ الطب مش شغلانتك خلاص.
الرد القاسي
لم أكتفِ بالانسحاب. الست التي تكاد تموت بسبب إهمال وغرور، لا تبكي في الزاوية... بل تأخذ حقها للقانون.
في اليوم التالي، وقبل أن أخرج من المستشفى برفقة ابني عمر، قدمتُ بلاغاً رسمياً للنيابة العامة ولنقابة الأطباء، مرفقاً بالتقارير الطبية المسجلة من أجهزة الرعاية، وشهدت الممرضات اللاتي كن في غرفة العمليات بالحقائق كاملة. الممرضة الكبيرة لم تخف، وحكت كيف رفض دكتور شريف الاستماع للتحذيرات الشديدة وكيف أوقف Protocol السلامة.
القضية هزت القطاع الطبي في مصر كله. رئيس قسم الطوارئ يتسبب في كاد أن يقتل زوجته الدكتورة وابنه بسبب الإهمال والتعنت.
تم إيقاف شريف عن العمل فوراً، وصدر قرار بمنعه من ممارسة المهنة لحين انتهاء التحقيقات التي اتجهت لإلغاء ترخيصه نهائياً.
سارة، بدورها، تم فصلها نهائياً وتوجيه اتهامات لها بالتزوير والإضرار العمدي بحياة المرضى.
البداية الجديدة
عدتُ إلى بيتي. بيت والدي القديم في حي المعادي.
كان البيت دافئاً، ورائحة اللافندر تغمر الغرف. وضعنا الفراش الصغير لعمر بجانب سريري.
في المساء، أتى شريف. لم يكن يحمل روباً أبيض، ولا سيارة فارهة، ولا ذلك الكبرياء الفارغ. كان يبدو كأنه كبر عشرين عاماً في أسبوع واحد. وقف عند الباب، يمسك بظرف أبيض في يده.
أنا مش جاي أترجاكي تاني يا أمل... قال بصوت خافت ومكسور وهو ينظر للأرض أنا عارف إن المرة دي مفيش تصليح. أنا خسرت شغلي، ورخصتي اتسحبت، واسمي بقى على كل لسان... بس كل ده ولا حاجة جنب إني خسرتك أنتِ وعمر.
مد يده بالظرف.
دي ورقة طلاقك... ومعاها تنازل كامل عن حضانة عمر، وعن الشقة، وعن كل حاجة أملكها. ده أقل حاجة أقدر أقدمها عشان تكفري عن ذنبي.
أخذتُ الظرف منه ببرود. لم أفتح الورقة، فقط وضعتها على الطاولة بجانب الباب.
شكراً يا شريف.
نظر إليّ بعينين تتوسلان كلمة رجاء واحدة، أو حتى نبرة غضب. لكن الجمود كان أصعب بالنسبة له من الموت.
ممكن... ممكن أشوف عمر للمرة الأخيرة؟
تنهدتُ ببطء، ثم أفسحتُ له المجال ليخطو خطوة واحدة داخل الشقة.
توجه نحو السرير الصغير، انحنى على الطفل، ولمست أصابعه المرتجفة وجنة الصغير. انهمرت دموعه في صمت، ثم قبّل رأس الطفل ووقف.
توقف عند الباب، ونظر إليّ هتقدر تغفريلي في يوم من الأيام يا أمل؟
نظرتُ إليه بصلابة الدكتورة التي عاشت الكارثة وخرجت منها حية
المغفرة دي حاجة بينك وبين ربنا يا شريف... أما أنا، فكل اللي بيهمني دلوقتي إن ابني يكبر ويعرف إن أمه كانت قوية كفاية عشان تحميه من أي حد... حتى لو كان أبوه.
خرج شريف، وأغلق الباب خلفه بهدوء شديد.
مشيتُ بخطوات ثابتة نحو النافذة، فتحتها ليدخل نسيم الليل العليل. سمعتُ صوت عمر يطلق صيحة صغيرة ممزوجة بابتسامة وهو يحرك يديه في الهواء.
احتككتُ بيدي على صدري، حيث كان الألم يختفي تدريجياً ليحل محله إيمان مطلق بأن الحياة لا تنتهي عند الغدر... بل تبدأ عندما نقرر ألا نكون ضحايا لأحد.
ابتسمتُ، ورحتُ أحتضن ابني، لنبدأ معاً حكايتنا الجديدة.
تمت.. مشيره محمد